حدد الصفحة

الأطفال في تونس : عنف، تحرش جنسي وإستغلال

الأطفال في تونس : عنف، تحرش جنسي وإستغلال

طفلة تونسية تحمل في يدها شمعة واليد الاخرى علم تونس

تعيش تونس منذ ثورة 14 جانفي انتشار ظاهرة العنف في مختلف الأوساط وتناولت وسائل الاعلام عديد الملفات التي تنبئ بتحول كبير في سلوك التونسيين، وتوجهه أن يكون عنيفا ومتطرفا في عديد المناسبات، لكن الحديث عن ظاهرة العنف ضد الأطفال يبقى دائما محدودا ولم يتطرق المشرع التونسي لأي إجراءات جدية للحد منه.

في تصريح لإحدى الاذاعات الخاصة أكد رياض الصافي، مهندس إحصاء بمرصد الإعلام والتكوين والتوثيق والدراسات حول حماية حقوق الطفل أن مندوب حماية الطفولة يتلقى سنويا 6 آلاف إشعار باعتداءات مختلفة على الأطفال من عنف لفظي ومادي واستغلال جنسي، فيما كشفت دراسة أجرتها وزارة التنمية والتعاون الدولي بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» أن أكثر من 90 بالمائة من أطفال تونس يتعرضون لأشكال متعددة من العنف منها العنف المعنوي والعنف الجسدي والعمل الإجباري والاستغلال الجنسي، على الرغم من وجود قوانين “تضمن حقوق الطفولة وتمنع ممارسة أي شكل من أشكال العنف ضدها”.

هذه الدراسة أثبتت أن ظاهرة العنف ضد الأطفال في تونس تزايدت بشكل حاد منذ الثورة لتشمل أكثر من 90 بالمائة من الأطفال نتيجة الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع وإستفحال حالة من التشنج العام، فيما أطلقت الجمعية التونسية لحماية حقوق الطفل “خطة بيداغوجية” لمكافحة الظاهرة التي باتت تشغل المنظمات الناشطة في مجال حقوق الإنسان.
في نفس السياق، قدرت منظمة اليونيسيف في تقريرها ان عدد الأطفال الدين تم إجبارهم على الشغل بحوالي 16 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 10 و17 سنة.

ويمثل الإنقطاع المبكر عن الدراسة أحد أهم أسباب انتشار «العمل القسري» للأطفال إذ ينقطع سنويا أكثر من 100 ألف تلميذ في بلد كثيرا ماراهن عن التعليم لتحديث المجتمع.
وينتمي 95 بالمائة من المنقطعين عن الدراسة إلى العائلات الفقيرة التي تقطن في الأحياء الشعبية والجهات الداخلية المحرومة، حيث تتراوح نسبة الفقر بين 30 بالمائة و50 بالمائة.
وفي غياب إحصائيات دقيقة تقدر وزارة الشؤون الاجتماعية عدد الأطفال العاملين بحوالي 5 آلاف طفل غير أن الأخصائيين في مجال حماية الطفولة يقولون إن العدد يفوق 8 آلاف طفل موزعين على مختلف جهات البلاد من بينهم 3 آلاف طفل ينتشرون في تونس العاصمة والأحياء الشعبية المجاورة.

وفي تقريرها الإحصائي السنوي أوردت مندوبية حماية الطفولة بتونس أرقاما مفزعة حول عدد الأطفال ضحايا الاستغلال الجنسي التي ارتفعت من 152 حالة سنة 2012 إلى 330 حالة سنة 2013.

لا يمثل هذا العدد في الحقيقة سوى الحالات المعترف بها لدى وزارات المرأة والصحّة والعدل والداخليّة، والتي قام ذوو الأطفال بالتبليغ عنها وتتبع الجناة فيها الا ان الحالات المسكوت عنها تظل أكثر بكثير من المصرح به، إذ تظهر آخر الدراسات التي قام بها مجموعة من الأطبّاء الشرعيين في مستشفى شارل نيكول أن هذه الحالات التي لا يبلغ عنها الضحايا تفوق 30 مرة الإحصائيات التي تذكر في التقارير الرسمية.

فالجرائم الجنسية في تونس مازالت محاطة بهالة من المحظورات تمنع الضحايا من الحديث فيها او المطالبة بتتبع المجرم قانونيا خوفا من العادات المجتمعية التي مازالت تحمل ضحية الجريمة الجنسية جزءا كبيرا من المسؤولية، ويزداد المشكل تعقيدا مع الأطفال باعتبارهم شريحة ضعيفة في المجتمع وعادة لا يؤخذ كلامهم على محمل الجد فيفلت الجاني من العقاب القانوني ليواصل العبث ببراءة أطفال اخرين بكل حرية.

القانون وإن كانت له تشريعات متقدمة في مجال حماية الطفل منها انه منح مندوب حماية الطفولة صبغة ضابط العدلية في التحقق من الاعتداءات المسلطة على الطفل خاصة في الوسط الاسري والمدرسي وذلك بموجب الفصل 31 من مجلّة حماية الطفل الذي ينصّ على «أنّه على كل شخص، بمن في ذلك الخاضع للسر المهني واجب إشعار مندوب حماية الطفولة كلّما تبيّن له أنّ هناك ما يهدّد صحّة الطفل أو سلامته البدنيّة أو المعنوية».  وكذلك الفصل 227 الذي نصّ على «ضرورة اعدام كل من واقع ﺃﻨﺜﻰ ﺴﻨﻬﺎ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﻌﺸﺭﺓ ﺃﻋﻭﺍﻡ ﻜﺎﻤﻠﺔ ﻭﻟﻭ ﺒﺩﻭﻥ ﺍﺴﺘﻌﻤﺎل ﺍﻟﻌﻨﻑ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻬﺩﻴﺩ به».

الا انه توجد عديد الثغرات في الموضوع، ففي دراسة قضائيّة قام بها مركز الدراسات القانونية والقضائية، اكدت أنّ المشرّع   لم يتولّ ﺿﻤﻦ مجلّة حماية ﺍﻟﻄﻔﻞ توفير الحماية القاﻧﻮﻧﻴﺔ اللازمة لكلّ الأطفال. اذ ﺧصّص القسم الأول للطفل المهدّد، والثاني للطّفل الجانح، واهتمّ أيضاً باﻟﻄﻔﻞ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﻓﺘﺮﺓ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺍلاﺟﺮﺍﺀﺍﺕ ﻭﺍﻟﻌﻘﻮﺑﺔ الجزائيّة، ولكنّه لم يتطرّق قطّ إلى ﻣﺼﻄﻠﺢ ﺍﻟﻄﻔﻞ ﺿﺤﻴﺔ الجريمة ﺑﺼﻔﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﺃﻭ ﺿﺤﻴﺔ ﺍلاﺳﺎﺀﺓ الجنسيّة ﺑﺼﻔﺔ ﺧﺎﺻﺔ

ولقد أرجع أخصائيون اجتماعيون تنامي ظاهرة العنف ضد الأطفال خلال السنوات الأربع الماضية» إلى استفحال ظاهرة العنف في المجتمع التونسي بصفة عامة، نتيجة حالة توتر اجتماعي ونفسي عامة غذته الأزمة التي تمر بها البلاد والتي ألقت بتداعياتها السلبية على نوعية العلاقات بما في ذلك العلاقات الأسرية.

فيما صرح الناشط في مجال حماية حقوق الطفل زهير بن عمار لاحد المواقع الالكترونية أن «ظاهرة العنف ضد الأطفال ليست بالجديدة عن المجتمع غير أنها شهدت خلال السنوات الأربع الماضية تحولا نوعيا خطيرا من خلال استفحالها في مختلف الفئات وأيضا من خلال «نوعية العنف»، ملاحظا أن «هناك أنواع جديدة من العنف ضد الأطفال انتشرت خلال السنوات الأربع الماضية منها العنف الجسدي داخل الأسرة وإجبار الآلاف من الأطفال على العمل».
وأكد بن عمار أن المنظمة التونسية لحماية الطفولة لديها إحصائيات تفيد بأن العنف الأسري ضد

الأطفال ارتفع خلال السنوات الأربع الماضية بنسبة 65 بالمائة، كما ارتفعت نسبة إجبار الأطفال على العمل في مهن وضيعة لا تضمن أية حقوق اقتصادية واجتماعية إلى 57 بالمائة وذلك نتيجة حالة التفقير التي تعرضت إليها الفئات الهشة في المجتمع، الأمر الذي دفعها إلى إجبار الأطفال على العمل من أجل توفير دخل إضافي وإن كان زهيدا».

رغم اعلان وزارة المرأة و الطفولة عن مشروع قانون شامل لحماية الطفل منذ شهر جانفي الفارط الا ان هذا المشروع بقى موجودا فقط في التصريحات الإعلامية و لم يقدم حتى على الورق لرئاسة الحكومة و بقيت مجهودات المجتمع المدني وحدها تحاول الإحاطة بالأطفال المتضررين و الحد من تعرضهم لهذه الظاهرة الاجرامية و هي العنف بمختلف اشكاله رغم تحذيرات جدية من اخصائيين اجتماعيين ان هؤلاء الأطفال الضحايا قد يكونون قنابل موقوتة تهدد سلامة المجتمع اذا لم تتم احاطتهم نفسيا و اجتماعيا و الخروج بهم من النفق المظلم الذي ادخلوا فيه عنوة على يد مجرمين لا يزال اغلبهم يتمتع بحريته الكاملة بسبب غياب و عجز القانون عن اخضاعهم للعقاب.

وتقر وزارة المرأة والأسرة والطفولة بأن “العنف ضد الأطفال أصبح ظاهرة متفشية في المجتمع وتستوجب “خطة وطنية تشارك فيها مختلف الجهات المعنية بالطفولة لتشخيصها ومعالجتها معالجة جذرية”.

Advertisement

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *