Select Page

المغرب : الأنساق الإنتاجية المحلية ورهان تطوير المقاولة الحرفية في مدينة فاس العتيقة

المغرب : الأنساق الإنتاجية المحلية ورهان تطوير المقاولة الحرفية في مدينة فاس العتيقة

توجد المقاولة الحرفية في قلب التحولات البنيوية التي يشهدها الاقتصاد المغربي، والتي تفرض التركيز على نسيج متنوع من المقاولات المرتبطة فيما بينها بعلاقات وطيدة تتوخى مواجهة عولمة الأسواق بأقل خسارة ممكنة. تأهيل هذه المقاولات وإدماجها في النسيج الاقتصادي، هو رهين بمدى قدرة الجهات المعنية على تطوير الأنساق الإنتاجية المحلية،

 

التي تتشكل أساسا من المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتضم نسيجا غنيا من الزبناء والممونين، واطارا ملائما من المؤهلات العلمية والتقنية، المرتبطة بعلاقات وطيدة مع حيزها الترابي، الذي يشكل إطارا فعالا لتطبيق نوع جديد من السياسة الصناعية على المستوى الميكرو- ترابي. إن التركيز على تنمية الأنساق الإنتاجية المحلية من خلال تأهيل المقاولات الحرفية –

 

كرهان فعلي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والترابية – راجع لكون الجهاز الاقتصادي المغربي عامة والفاسي خاصة يتشكل في معظمه من مقاولات صغرى ومتوسطة، يمكن أن تشكل بنية ديناميكية قادرة على إعادة إنتاج التنمية الاقتصادية، لمجال ترابي انطلاقا من موارده.
فالمنطق الذي تعتمد عليه هذه الاستراتيجية هو ” العمل سويا من أجل مصلحة الجميع ” (). أي العمل في إطار شبكة من التعاون والتضامن والتكامل بين المقاولات المشكلة للنسق الاقتصادي هاته الأخيرة، أدركت أن مصلحتها تكمن فـي التعاون فيما بينها لمواجهة المنافسة الداخلية والخـارجية وذلك من خلال الاتفـاق المشترك على ():

 

* الأسعار المطبقة لتفادي مسألة البيع بالخسارة.
* التنسيق مع منافس محلي عند توفر طلب يتجاوز إمكانية وحدات إنتاجية معينة، دون أن يعني
ذلك تحكم الطرف المستفيد من الطلب في السوق المحلية.
* التمون بالمواد الأولية بشكل جماعي للتخفيف من كلفة النقل
* سلوكات موحدة في تدبير اليد العاملة (مستوى الأجور، القوانين الاجتماعية…..)
* اللجوء إلى موارد مشتركة في ميدان التكوين والخدمات المقدمة للمقاولات التي تجعلها أكثر نجاعة وأقل كلفة.
* إنشاء مؤسسات للتحكيم في النزاعات التي تنشأ بين المقاولات.
داخل هذا السياق تندرج مبادرة مديرية إعداد التراب الوطني الهادفة لتفعيل دور الأنساق الإنتاجية في قطاع الصناعة التقليدية، بالنظر إلى الخلفية التاريخية لهذا القطاع، الذي جعل المغرب يكتسي سمعة متميزة على الصعيد الدولي، وبالنظر كذلك لوضع اللاهيكلة الذي أصبح عليه القطاع، إلى درجة أصبح ينعت بمثابة نشاط بدائي يرتكز على التقاليد والارتجال في ميادين إنتاجية في طريقها إلى الانقراض.
سيكون من الضروري إعادة الاعتبار للمقاولة في قطاع الصناعة التقليدية عن طريق تنظيم وحداتها في إطار أنساق إنتاجية محلية، كما كانت عليه فيما سبق في إطار مؤسسة الحنطة، la corporation الا أن الوضع الحالي للقطاع، وفي إطار عملية تشخيص بسيطة قمنا بها في مجال مدينة فاس العتيقة، جعلتنا نتساءل عن إمكانية الحديث على نسق إنتاجي محلي بهذا القطاع وخاصة بقطاعي الجلد والصفارين؟
وعن مدى قدرة هذين القطاعين، بما ينطويان عليه من ممارسات سوسيو- اقتصادية خاصة، على تشكيل نسيج صناعي يقوى على الانخراط في مسلسل المنافسة المتضامنة، باعتبارها الأداة الأساسية لتفعيل دينامية هذه الوحدات، وبالتالي تشكيل نسق إنتاجي محلي على شاكلة التجربة الإيطالية والهندية والمكسيكية، إذ معظم النظم الإنتاجية لهذه الدول انبثقت من الصناعة التقليدية.
يـرى بعض الباحثين ()، أن الأنساق الإنتاجية توجد في مختلف أرجاء العالم وبتسميات مختلفة: District, local clusters, système productif local….
وحـسب “Alfred Marshall “: توجد الأنساق الإنتاجية المحلية في بعض المجالات الصناعية التي تفتقد للمواد الأولية، وللمواد الوسيطة، والمواد اللازمة للإنتاج، وبعيدة في تمركزها عن مجالات الاستقطاب الأساسية كالعواصم الإدارية والاقتصادية. ومع ذلك تشكل أهمية اقتصادية وسوسيو- مجالية، وتعمل كمقاطعة صناعية ().
ما يميز هذه الوحدات هو درجة اندماجها (هل لها اندماج محلي أو وطني أو عالمي؟)، يؤكد الباحث “Benko” أن: أغلب هذه المقاولات لا تتحكم في مسلسل الإنتاج، وبالتالي فهي لا تشكل سوى مقاطعة صناعية غير مندمجة ().

من هنا يمكن القول، أن قطاع الصناعة التقليدية، وخاصة قطاعي الجلد والصفارين، يشكلان نسقا إنتاجيا محليا، مع اختلاف في مستوى اندماجهما. فقطاع الجلد له اندماج محلي؛ حيث مراحل الإنتاج تتم في سلسلة متكاملة من العمليات محليا، ويتم جلب المواد الأولية من ضواحي مدينة فاس في إطار من التضامن الكلي كما سماه Milton Santos» «()، عكس قطاع الصفارين الذي هو الآخر يتحكم في مختلف المراحل بالرغم من التجزؤ الكبير لمسلسل الإنتاج، كما يعكسه الشكل التالي والذي ارتأينا ادراجه بلغة المقاولة:

 

ومع ذلك فإنه لا يحقق اندماجا محليا وإنما عالميا، لكون جل المواد الأولية المستعملة يتم استيرادها من بلدان أوربية (سويسرا، إيطاليا، فرنسا…).
وبخصوص قدرة القطاع على تشكيل نسيج صناعي أكثر تنافسية يمكن التأكيد على أن: الصناعة التقليدية تتوفر على مرتكزات جد مهمة لتطوير الأنساق الإنتاجية المحلية، فالنسيج المقاولاتي للمدينة العتيقة يتسم بالتنوع، وأن المجال الترابي يتميز بدينامية جد قوية، وفضاء لتلقين ونشر المهارات. إضافة إلى كونها القطاع الوحيد القادر على خلق مناصب شغل جديدة بحجم جد مهم (). الا انه في نفس الان يعاني العديد من الصعوبات

 

فالكثير من مقاولاته لا تمتثل لبعض الضوابط المهنية والقانونية (الجبائية والاجتماعية)، ما يجعل الإطار القانوني الأقل احتراما من قبل المقاولة الحرفية.

 

كما أن الإطار المؤسساتي المحلي يتسم بمحدودية التمثيلية وبضعف الموارد المادية والبشرية اللازمة، وبقوة مركزية الدولة التي تحد من أهمية المبادرات ذات الطابع الترابي. إن وضعا كهذا، لا يتناسب وأسلوب الأنساق الإنتاجية الذي يقوم على التدبير الأفقي، ويقتضي منح المؤسسات المحلية المزيد من الصلاحيات في تدبير الشأن المحلي (المندوبية باعتبارها الممثل الجهوي للوزارة، وغرفة الصناعة التقليدية المؤسسة الأقرب الى الصانع التقليدي) علاوة على هشاشة العلاقات التي تربط المقاولات العاملة في نفس مسلسل الإنتاج في غياب مبدأ التعاون والتكامل اللذان يشكلان أساس نجاح النسق واستمراريته.
إذا كانت الأنظمة الإنتاجية المحلية لبعض الدول الرائدة في هذا المجال (إيطاليا)، ترتكز على مبدأ التعاون بين المقاولات المندمجة، والمؤسسات الصغيرة التي تعمل بالمناولة، عبر تحويل بعض المهام لصالحها بدل تجميعها في نفس الوحدة مع مدها بكل ما تحتاجه من أطر وخبرات وتكنولوجيا، تسمح لهذه المؤسسات بالارتقاء من مستوى العمل بالمناولة، soutraitance la إلى مقاولات قادرة على التحكم في معظم مراحل الإنتاج، فإن الأنظمة الإنتاجية المحلية بقطاع الصناعة التقليدية، غالبا ما تسير في اتجاه معاكس. فوجود مقاولة كبرى وأخرى صغرى، تحكمه الرغبة في الاستفادة من احتياطي اليد العاملة الرخيصة، والتقليص من تكاليف الإنتاج، عوض تقسيم العمل بشكل يمكن الوحدات الصغيرة من التخصص التقني. وهذا مجرد مظهر من مظاهر اللانتظام واللاهيكلة التي يعرفها القطاع.
لذلك فانتظام قطاع الصناعة التقليدية في إطار أنساق إنتاجية محلية أصبح أمرا مفروضا، لتوفير شروط الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للمقاولة في القطاع، وهذا لن يتأتى إلا بتبني استراتيجية رباعية الأبعاد:
بناء إطار مؤسساتي موات لتطور الأنساق الإنتاجية المحلية على غرار تجربة الدول الرائدة في هذا المجال، التي ارتأت ان تطوير الأنساق الإنتاجية، يفرض إطارا مؤسساتيا جد ملائم، ، فلإرساء ناجح لهذه النظم بالقطاع الحرفي، يجب تفعيل دور المؤسسات الوصية على القطاع محليا (غرفة الصناعة التقليدية، والمندوبية الجهوية للصناعة التقليدية)، التي ظل حضورها خافتا في تدعيم مبادرات ذات صبغة ترابية محلية، أمام مركزية الدولة، مما يستدعي إعادة النظر في تمثيلية هذه المؤسسات، ومدها بما يكفي من الموارد المادية والبشرية، لتجسيد مفهوم ” السلطة المحلية ” التي تقتضي استقلالية كبرى في اتخاذ القرار، وفي تدبير الشأن المحلي.
2- فتح المجال للتنظيمات الحرفية، لتفجير دينامية تنظيم ذاتي ومستقل في قطاع الصناعة التقليدية، وذلك عن طريق الإقرار بدور التعاونيات والجمعيات المهنية في تحمل مسؤوليتها، وترجمة هذا الاعتراف في مساطر قانونية وتنظيمية، باعتبارها احدى المطالب الملحة من قبل الحرفيين، الذي أصبحوا على وعي تام بانه لا جدوى من العمل الفردي المنعزل، بل ضرورة تجميع مجهوداتهم في إطار تنظيمات تعاونية، ولم شتاتهم، لمواجهة إكراهات مسلسل الإنتاج بشكل جماعي، وكذلك الانتظام في بنيات جمعوية لكونها الإطار الأمثل للتعبير عن تصورات المعنيين، ومقاربتهم لمستقبل مهنهم، وتشخيص مشاكلهم، ومحاولة إيجاد حلول تستجيب لتطلعاتهم.
3- وضع أشكال تمويلية أكثر استجابة لمطالب المقاولة الحرفية ولخصوصية العمل بها (عدم انتظام العمل) وتبسيط إجراءات الاستفادة من القروض، والتخفيف من نسب الفائدة، مع الحرص على تقديم خدمات فعلية لهذا الصنف من المقاولات عبر نهج استراتيجية التتبع والمواكبة لكل التحولات التي تطرأ عليها.
4- خلق مراكز خاصة، تجسد بعمق علاقة جديدة بين المؤسسة والإطار الترابي، هدفها تشخيص وضعية المقاولة الحرفية، وإنتاج الاستشارة داخلها، وتمكينها من المعلومات التجارية والعلمية والتكنولوجية، والبحث عن إمكانات لتواصل أفضل بين الشركاء والفاعلين المحليين عبر خلق خلية للتنسيق بين كافة هذه الأطراف.
ختاما يمكن القول ان الاعتماد على المقاولة الحرفية، لتحقيق شروط تنمية متوازنة، هو رهان تتدخل فيه أطراف عديدة بما فيها الدولة، باعتبارها المسؤول الأول والأخير عن توجيه العملية التنموية، ومجتمع الصناعة التقليدية، والتنظيمات الجمعوية والتعاونية؛ التي أصبحت مدعوة أكثر لتحمل المسؤولية، باعتبارها شريك أساسي، ينبغي الاعتماد عليه والتعاون معه.
إلا أن رهانا من هذا النوع يتوقف ـ علاوة على تدخل كافة هذه الأطراف ـ على مجموع الاستراتيجيات التنموية المتبناة في قطاع الصناعة التقليدية، والتي يتوخى منها تفجير دينامية الأنساق الإنتاجية المحلية بالقطاع، باعتبارها الأداة الكفيلة بتقوية مناعة القطاع أمام انفتاح الأسواق واحتدام المنافسة .

حول الكاتب

باحثة و دكتوراه في الجغرافيا , تقييم في المغرب

تعليق واحد

  1. ما شاء الله الأخت جميلة مقال رائع يهم مدينة فاس العتيقة بغناها المتعدد الابعاد
    لقد ابدعت اختي وانت تقفين على بيت الداء الذي أصبح ينخر جسم القطاع الحرفي الذي كان في وقت مضى أساس الاقتصاد الحضري الفاسي، بل الأكثر من ذلك القطاع الذي كان يستجيب حتى لطلبات الاوساط القروية المحاذية للمدينة في اطار التضامن الكلي كما سماها “ميلتون سانتوس” وكما اشرت الى ذلك في مقالك، فبتفعيل الأنساق الإنتاجية المحلية، لامحالة ستعود مدينة فاس الحبيبة العريقة الى اوجها، وستستعيد عافيتها وريادتها، لينتعش الجهاز الاقتصادي من جديد ويتمكن الحرفيون بجميع اطيافهم من التحكم في مسلسل النتاج من: التمون من المادة الأولية الى تسويق الإنتاج وبالتالي الاستمرار في ممارسة الحرفة بكل مهنية وابداع لتفادي اندثار بعض المهن التي اصبحث الان مهددة باسم العصرنة ولم تبق منها سوى وحدات شاهدة على وجودها .

    الرد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *