Select Page

ثقافة الإشهار في الحملات الانتخابات الجزائرية

تمهيد :

الإشهار هو ذلك الجزء الهام من نظام الإنتاج والتوزيع الجماهيري الذي يترجم في شكل إعلام وتذكير بالسلع والخدمات التي يتضمنها السوق؛ وهو يمثل أحد الأنماط التواصلية الأساسية لترويج البضائع، والسلع عبر الوسائط الإعلامية الشفوية أو المكتوبة أو المرئية، الثابتة أو المتحركة، بأسلوب مباشر وصريح يتجه فيه المعلن (المشهر) بإعلانه نحو الزبون بأسلوب غير صريح قصد الاستمالة والإغراء العاطفي، أو هو مجموع الأساليب الاتصالية التي تختص بإعلام الجمهور من خلال وسيلة عامة عن منتح أو خدمة ما ودفع الجمهور إلى اقتناء السلعة المعلن عنها؛ أنه “هو لغة تجارية، وسيناريو تركيبي مفتوح على التأويل.

يتصل الخطاب الإشهاري بالحياة الإنسانية بشكل مباشر من خلال تأسيسه لقيم اجتماعية، وأخلاقية، وحضارية، وجارية مباشرة، فهو يخفي في ممارسته اللغوية والثقافية قيمة ثقافية ذات سمة إيديولوجية غالبة تحاول أن ترسخ لدى المتلقين، ونظرا لهذه الطبيعة المتشابكة للخطاب الإشهاري فإنه لا بد أن نميز بيِّن ما هو من الخطاب نفسه بوصفه نسيجا لغويا دالاً يهدف إلى الإقناع، وبيْن ما هو خارج الخطاب اللساني فيما يتصل من قيم سوسيو اقتصادية.

ويتأسس الخطاب الإشهاري في بعده التأثيري على مبدأ الترويج للسلعة، والفكرة المنوطة بها من خلال عرض خصائصها المميزة بهدف دفع الجمهور المستهلك إلى اقتناء المنتوج، ولما كان الخطاب الإشهاري يجمع نسقين دلاليين: نسق لساني، ونسق أيقوني بصري، فإنه العملية الإشهارية تجسد كفعل اقتصادي اجتماعي من تحديد العلاقة بين المستهلك (CONSOMMATEUR)، والمنتوج (PRODUIT)، ويمكن التمييز بين نسقين في بنية الخطاب الإشهاري، أحدهما لساني يتمثل في العلامة اللسانية، وثانيها أيقوني يتمثل في العلامة البصرية أداته الرئيسية في عالم الواقع، وحضورهما معًا بهيمنة طرف على آخر مبني على قصد معين يتوافق مع المقام الإشهاري.

وعليه فإنّ الحديث عن الخطاب الإشهاري يفرض التمييز بين قطبين أساسيين متباينين، ومتكاملين في الآن نفسه، هما البعد السوسيو- اقتصادي الذي يوجد خارج الخطاب، والبعد الخطابي بصفته نسيجا تتشابك فيه مجموعة من العلامات وفق قواعد تركيبية ودلالية، فالمسار السوسيو- اقتصادي يمثل الإطار العام الذي تمارس داخله عملية الإشهار، ويعطي الخطاب الإشهاري لنفسه كمهمة الإخبار عن خصائص ومميزات هذا المنتوج أو ذاك بهدف الدفع بالمتلقي إلى القيام بفعل الشراء. هذه الوظيفة الموضوعية تبقى وظيفته المبدئية، وتتحكم في تكوين المسار السوسيو-اقتصادي العناصر الثلاثة (الإشهار، المستهلك، والمنتوج). أما المستوى الثاني، فهو مستوى الخطاب الذي يفترض وجود قائل ينجز مجموعة أقوال ومتلقي يستقبل أساسا خطابًا له مجموعة من المكونات والخصائص التي تجعل منه قارئا ومؤولاً لهذا الخطاب.

وإذا نظرنا إلى البرامج الانتخابية في الجزائر نجد أن المترشحين في القوائم الانتخابية الحزبية أو الحرة يطرحون برامجهم في حملة انتخابية مبرمجة مسبقا، وتخضع لحيز زمني محدد، وهؤلاء مطالبون بأن يعلنوا عن منتوجهم السياسي بوسائط مختلفة؛ بداية بالخطاب الشفهي المباشر الذي يلقى على المنابر في التجمعات الجماهيرية والجوارية التي يجد فيها المترشحون أنفسهم وجها لوجه أمام الناخِبين، أين يكونون ملزمين بتوظيف ما أمكنهم من قوة لاستمالة السامعين، والتأثير فيهم، وإقناعهم ببرامجهم الانتخابية، خاصة إذا علمنا أن الخطاب الإشهاري السياسي يقوم على الدعاية، والإغراء، والقصدية، فهو لا يشهر من قبيل الصدفة، بل إنه ثقافة مفننة، ومادة إعلانية مقننة، تراعي ثقافة المرسل إليه أكثر مما تراعي المرسل نفسه، وأكثر من ذلك فهو خطاب واع وغير بريء؛ لأنه يكاد يرغم المتلقي إرغاما عل تلقيه بصورة أو بأخرى، نطرا لتضخيم إشكار المنتوج، والمبالغة في تجويده، وإضفاء صبغة هائلة من الروعة، والجمال، والكذب، والخبث في بعض الأحيان.

ومرورا بالكتابات على الملصقات، واللوحات، والجداريات التي تتضمن أنساقا لسانية تعرض البرامج الانتخابية للمترشحين أو تتضمن عبارات وشعارات تشد انتباه المنتخِب أو تثير فيه شعورا ما يكون الهدف من ورائه كسب صوته لصالح جهة، وما يميزها أنها تتضمن معنى لساني مثبت باللفظ يضفي على الحياة اليومية خلال الحملة الانتخابية نوعا من الدينامية، ليولد حركة مشهدية نامية، ولكن الملاحظة الجديرة بالاهتمام هي أن تلك الأنساق اللسانية المثبتة باللفظ والعبارة على الملصقات، واللوحات، والجداريات تكرر عبارات قديمة أو مبتذلة وفي بعض الأحيان تكون فيها أخطاء إملائية، ونحوية، وصرفية.. وأكثر ما يثير الازعاج هو أنها تتجاوز الأماكن التي حصصتها الدولة لها، لتعتدي مساحات خاصة أو حكومية، لتشوه منظر المدينة أو تشكل خطرا على حياة المواطن خاصة أنه سبق وأن ألصق بعض المترشحين ملصقاتهم ولوحاتهم على إشارات مرورية تنبيهية تسببت في حوادث مرورية أليمة.

وانتهاء بالصورة الإشهارية التي تقوم بوظيفة التبليغ فتخرج القيم المجردة من حيز الكمون إلى حيز التجلي فتصبح واقعا ماديا محسوسا وفي هذا السياق يذهب إيريك بويسنس (E.Bryssens) إلى أن الصورة نسق دلالي قائم بذاته، لها وظيفة أساسة في التواصل، لذلك فإن ما يميز الخطاب الإشهاري عن غيره من الخطابات الأخرى أنه عندما يكون نسقا إيقونيا (صورة) يراعي ثقافة المستهلك من حيث الدين، والعادات، والتقاليد فما يصلح خطابا إشهاريا في بيئة معينة لها دينها، وعاداتها، وتقاليدها لا يصلح في بيئة أخرى مخالفة غير الصور التي تحمل شخصية المترشحين والتي يبذلون فيها أقوى الجهود للحصور على صورة جميلة وأنيقة، فيستعينون بمصورين وتقنيين يدفعون لهم من أجل من التلاعب بصورهم الشخصية للظهور بهيأة مقبولة لدى المتلقين، غير أن ما يقال عن الصور الإشهار التي تخرج إلى الوجود في فضاء الحملة الانتخابية أنها تفتقر إلى اللمسة الفنية التي تجعل عملية قراءتها دالة وممتعة، بل إن المترشحين يأخذون بعض الصور في وضعيات أقل ما يقال عنها أنها وضعيات مضحكة.

لذلك فإن الحديث عن الإشهار كثقافة في الحملات الانتخابات الجزائرية أمر لا يزال بعيد المنال؛ لأن القائمين على إدارة الحملات الانتخابية في الدولة أو في صفوف الأحزاب أو القوائم الحرة ما يزالون يدورون في فلك الإشهار التقليدي للانتخابات حين كان المجتمع بسيط وتقليديا، بل إن الحملات الانتخابية في مختلف الاستحقاقات الوطنية تراوح مكانها وكثيرا ما تختصر في بضع “بوستيرات” تلصق على الحائط أو توجز في كتابات مستهلكة على الرغم من التطور الذي وصل إليه المجتمع الجزائري الذي دخل شبابه بوابة الرقمية من بابها الواسع.

والسؤال الذي سيبقى مطروحا متى توظف الصورة الرقمية بطريقة علمية صحيحة في الحملات الانتخابية فنكفي الدولة والأحزاب والأفراد الخسائر المادية التي يتكبدونها خلال كل استحقاق انتخابي؟

د. عادل بوديار

كاتب

حول الكاتب

أبرز الأحداث والنشاطات اليومية يدونها كتّاب بأقلام حرّة من جميع أنحاء العالم العربي | ملحوظة : التدوينات المنشورة في مدونات فرانشيفال لا تعبر عن وجهة نظر فريق صحيفة فرانشيفال .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *