حدد الصفحة

الأسطورة وتأثيرها في الشعر العربي الحديث

الأسطورة وتأثيرها في الشعر العربي الحديث

كما نعرف أن الشعر يتأثر في نسيجة الداخلي وهيكله العام ومواقفه واحداثه وابطالة بالأساطير لذلك يوجد جذر مشترك بين الحكايات الشعبية والخرافية وقصص الخوارق والأساطير جميعها نبعت من خيال خصب يتجاوز الواقع ويتعدى حدود الزمان والمكان ويمزج بين الأحلام والأوهام وبين مايشعر به ويراه ويسمعه ، وبين الذات وتجاربها الموروثة المعاشة ، وهذا الخيال الخصب هو الذي أبدع الأسطورة وأبدع كل تلك الأشياء التراثية التي تكاد ان تكون عالمية ، وهو الشي الذي يعود إلية الشاعر المعاصر فيلتقي بمعالمة من خلال الرموز والحكايات في هذا التراث الأنساني الكبير الصانع لذلك الخيال بخلق رموزه ودلالاته ليكون رؤيتة للعالم .

وحول هذا الموضوع تحدث لنا الشاعر والناقد حسين عوفي من العراق قائلاً

ان استخدام الرمز والاسطورة في الشعر العربي الحديث مر بمرحلتين، الاولى، في النصف الاول من القرن العشرين متمثلا، بمدارس البعث والتجديد مثل مدرسة الإحياء، والديوان، والمهجر، ومدرسة ابوللو، ومن رموزها احمد شوقي الذي كان يصوغ حكايته عن الحيوان، وعلي محمود طه وارواحه واشباحه ورياحه الاربع، والياس ابو، شبكة وقصصه عن الكتاب المقدس، وعباس محمود العقاد وتراجمه عن الشيطان وفق نسق اسطوري. اما المرحلة الثانية، فكانت في النصف الثاني من القرن العشرين، ومن رموزها السياب، الذي يشكل الاسطورة بمزجها مع نسيجه الشعري، واحيانا برمزية الاسطورة ذاتها وما تتضمنه من عناصر.

ومن الاساطير العربية، السندباد، شهرزاد، شهريار، عنترة بن شداد، أيوب، قابيل وهابيل، عشبة الخلود…. الخ. وهنا لابد ان اوضح، بانه ليس من اللائق من الناحية الفنية والجمالية، إغراق النص بالغموض وإكسائه بهلامية الثياب، المبهمة،

بحيث لايمكن التلقي، من انتزاع المعنى انتزاعا، وكأن النص أعمى يتلمس تيهاً، فيضل الصواب، هذا الوهم والإيهام يقود الكاتب الى فوضى عارمة، فينحدر هاوياً بعيدا عن الإشهار الذي، يحلم به، كلما ابتعد عن العمل الابداعي الحقيقذ، فيوقع نفسه في دوامة من الطلاسم والألغاز والتي يصعب حلها على المتذوقين. لوحة بلاروح ولامعنى، اطارها بائس وهزيل، تأخذ بالتلقي لصحراء العدم.

بينما على الكاتب ان يمسك بقضيته ورسالته المقدسة بما يملك من موهبة وثراء لغوي وثقافي وخيال خصب وعاطفة عميقة .

حسين عوفي

شاعر وناقد

من جانبها قالت الشاعرة الجزائرية زينه عمراني

لقد شهدت القصيدة العربية الحديثة خلال القرن العشرين تحولاً كبير ، في بناء مضامين القصيدة العربية ، مقام الشعراء بابتكار كتابة جديدة وصورة مختلفة وأحدثوا أسلوبا جديدا في البناء الشعري ، سواء على المستوى اللغوي والإيقاع الصوتي والقاموس الشعري ، من خلال الرؤية الحضارية والفكرية والحداثة ، وكانت الذائقة الشعرية تنمو و تتمدد نحو اتجاه آخر من التغيير وقفزت قفزات كبيرة في تطوير الشعر العربي الحديث .

لم تكن يوما الحداثة الشعرية عملية تحطيم الأوزان و القوافي كما يعتقد معظمهم ، بل هي اللغة المحكية التي تحمل معان ودلالات تقاس حيويتها ووعيها في المواقف التي يصطدم بها الشاعر، في الحياة و الوجود و الفكر ، فتحتم عليه أن يقيم معرفة جديدة من خلال بدأه بالبنية التحتية للنص . تعد الأسطورة من أهم المواضيع التي اهتم بها الأدب و النقد المعاصر ، و كان هدفها ربط الشعر بالحضارة و الإنسانية ، باعتبارها جزءا من التراث ، ودرست الأسطورة الصور القائمة على الرمز والتأمل فيها و حكي الطبيعة و الذات وتبني القضايا بشكل تعبيري يبدو منتهيا مع الزمن و المكان ، على شكل ثنائية منها : الموت و الانبعاث ، الليل و النهار ، السماء و التراب ….إلخ ،

لقد سعى الشاعر الحداثي بالاشتغال على النص وتوظيف الأسطورة ، والتعبير عن الحقائق الميتافيزيقية عبر الأساطير ليشمل رحلتها من الرؤية الكونية و البناء الحضاري و التاريخ ، محاولة الارتقاء حول مرايا عديدة تحمل صورة مختلفة للشعر الحديث ”

زينة عمراني

شاعرة

ومن لبنان قالت حنان فرفور ان

الأسطورة بين الخلق والرؤيا لا يستطيع مراقبٌ خبيرٌ أن ينكر أثر الأسطورة في الحداثة الشعرية، -سواء الغربية منها المنطلقة من فلسفات وتيارات فكريةٍ خدمتها وأسست لها، أو تلك العربية المسقَطة بفعل التأثر بالحضارة الغربية- على صيرورة وسيرورة الفكر العربي المتخبط، وبالتالي على الانتاج الشعري الحديث.. فلطالما عدّ هذا الأخير الأسطورة “دجاجة تبيض ذهبا” على حد قول أحد النقاد،لما لها من قدرة مدهشة على حمل تناقضات العالم”* وتحديدا التناقضات التي مزّقت الشاعر بين واقع رثٍّ وماضٍ مؤلّهٍ وعالمٍ بديلٍ يطمح إليه.

لذا وجد الشاعر في الأسطورة منجمًا ذهبيا قادرًا على تخزين اللاوعي الجماعي الانساني وإعادة إنتاجه بصوَر وتمظهرات مختلفة، فلا حقيقة واحدة فيها ولا حقيقة مطلقة، مما يتيح المجال واسعًا أمام الشاعر الذي احتاج غالبا للتكثيف والترميز ، إزاء تغرّبه عن واقعه حينًا، أو إزاء رغبته في التعبير عن واقعه المشوّه أحيانا مستعينا بالرمز الأسطوري لخلق عالم أقرب للكمال المتخيَّل.

من هنا وتحديدا من تأثر شعراء الحداثة العرب بنتاج ت. إ. إليوت الشعري لغويا ورؤيويا، ومن خلال نظرة هؤلاء الى “القصيدة كتأسيس باللغة والرؤيا”، كما يقول أدونيس، راحوا ينهلون من تراثهم العربي أو من التراث العالمي، أساطير خدمت تعبيرهم الغامض عن هموم وشحنات عاطفية وهواجس حضارية، ولعل أبرز هؤلاء السياب العراقي وحاوي اللبناني وعبد المعطي حجازي المصري وأدونيس السوري وغيرهم الكثير .

باختصار كانت الاسطورة وما زالت وسيلة الشاعر العربي لخلق عالمٍ موازٍ ومكثّف ، ولإنتاج رؤيا حضارية مغايرة وبنّاءة.. الأسطورة وسيلة شعرية تقرّب القصيدة من المثال تعويضا عن نقصان ”

حنان فرفور

شاعرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *