حدد الصفحة

بين معبد الآلهة وأساطير الأجداد

لا أدري كيف وجدتُ كلماتها تحفر في ذاكرتي وتنبش بها، وأنا أفتش عن أيامي القديمة، عن ملفات الروح العتيقة.

هكذا مرتْ ببساطها السحري ورحلتِ بي صوب الكويت وذكرتني بأيام طفولتي واللعب في الرمال والكرة مع الصغار، عادت مخيلتي للوراء ألف عام وعام وأنا أتذكر مسقط رأسي في مدينة (حولي)، نعم أتذكر أول نسمة شممتها كانت مغمسة بطعم البحر وأول ممرضة وهي تجرني من رحم أمي، وكانت الصفعة الأولى التي تلقيتها على ظهري من كفها الناعمة أول انطلاقة للحياة، حسبتها بادئ الأمر تريد الانتقام مني لأنني كنت عائقاً لأمي وأنا أتشبث بها، لكني فكرت في النهاية في الخروج لأن هواء البحر أغراني.

هكذا تلقتني (حولي) بين ذراعيها كعشيقة تقول لحبيبها هيت لك، كنتُ الصبي الأول في العائلة، أبي من شدة فرحه تردد في اختيار اسم لي، لكن الممرضة سألته قبل أن تخرج من غرفة صغيرة استأجرها والدي.. ما اسمه؟ فكر كثيراً.. وشاءت الأقدار أن تمنحني هذا الاسم.. قال هو هيثم .. أحب الهيثم لأنني أعشق النسور فهي من الطيور القوية وإني أريده من الأقوياء.

في استوديو الأحمدي من العام نفسه كان عمري سبعة أشهر وسبعة أيام وساعات سبع ألتقط لي والدي صورة كنت فيها مبتسماً وكان يشعر بالفخر والزهو، وكنت كلما أكبر تكبر معي ابتسامتي حتى صارت تتسع لضحكات الأخرين.. فكلما ابتسم شخص بهذا الكون وصلني اشعار من القلب بتلك البسمة.

ذات يوم كنت عائداً من مدرستي التي تبعد عنا مسيرة عشر دقائق، كانت حقيبتي ملتصقة على ظهري ومن بعيد شاهدت بياضاً يلتمع فوق الأرض، جرني ذاك البياض نحوه، رفعته من على الأرض، كانت قصة بعنوان “البلح الأحمر” لا أتذكر كاتبها، لكني أتذكر شيئاً ما، أتذكر الدهشة التي احتلت كل تفاصيل روحي وأنا اتفحص صفحاتها والصور التي كانت بداخلها، شدني كثيراً أسلوبها السلس، قرأت أول صفحتين منها حتى دخلت قلبي، دسستها في حقيبتي مثل أي شخص يعثر على شيء ثمين ليخفيه عن أعين المارة، هممت بالمسير محاولاً الوصول إلى البيت بأسرع وقت، وحين وصلت، أخرجتها ورحت اقرأ القصة كلها، شعرت برغبة أكبر لقراءة المزيد، شاهد والدي الدهشة واللهفة حتى صار بين الحين والآخر يجلب لي الكثير من القصص.

قال والدي سنسافر نهاية شهر أغسطس إلى العراق، كانت فرحتي لا توصف، وكان بي من الشوق الشيء الكبير في التعرف على جدي وجدتي وأبناء عمومتي ومن كنت أسمع فقط عنهم بالرسائل التي تصل بعد مرور أكثر من خمسة أشهر أن لم تكن أكثر من هذه المدة عبر البريد البطيء القديم، كنتُ وقتها في الصف الأول الابتدائي، وقبل الفجر بساعات انطلق بنا والدي صوب الحدود العراقية لنصل إلى البصرة مع بداية الصباح وهو يقود سيارته القديمة الـ (داتسن) رصاصية اللون مخترقاً كل المناطق وصولاً إلى مدينته الناصرية لينعطف نحو اليسار إلى مدينة تغفو على شاطئ الغراف بكل حب ومودة، تنام بهدوء مثل عروسٍ على فراشها الأبيض في ليلة زفافها، في مدينة (الرفاعي)، قال والدي سنبيتُ الليلة في بيت عمتكم وعند الصباح سننطلق لبيت جدكم، ألتفتْ والدي نحوي وابتسم وأنا أجلس في المقعد الخلفي من السيارة قائلاً:
(لو تدري جدك شكد مشتاقلك..).

جدي الذي رآني بالصور المرسلة عبر الرسائل المتبادلة بين أبي وبينهم فقط.

في بيت عمتي شاهدتُ مكتبة كبيرة، ورحت أتصفح كل كتبها، ربما لم يجذبني أيّ كتاب لأنني لم أكن أدرك حجم محتواها في تلك الفترة، ما جذبتي سوى مجلتي (المزمار) و (مَجَلتي) ورحت أتصفحهما بشغف ولذة، شدتني القصص كثيراً وأنا اقلبها بيدي الصغيرتين.. قال لي ابن عمتي.. (راح آخذك لمكتبة المحطة)، كان يقودني من يدي وهو يخترق الأزقة و(الدرابين) كنتُ أشاهد الجدران الهرمة المتآكلة والتي مضى عليها أعوام كثيرة، وفي محل صغير وجدتُ صحفاً قليلة وأعداداً قديمة من (مجلتي) و(المزمار)، اشتريت كل الأعداد القديمة بدراهم حديدية كنت ادخرها في جيبي، لا أدري كم حجم الفرحة التي دخلت إلى قلبي واحتلتهُ تلك الليلة وأنا أبقى حتى منتصف الليل أقلبُ واقرأ بالمجلات الملونة وقصصها الجميلة.

في الصباح حاول والدي أخذنا إلى أعماق المدينة قاطعين الطريق الترابي وصولاً إلى حيث يسكن جدي في منطقة ريفية وهو يلون ترابها بالخضار بالقرب من مدينة أوما السومرية وبالقرب من تل (جوخا)، أنا حاولت التظاهر بالنوم لئلا أذهب معه كي أكمل ما تبقى من تصفحي لبقية المجلات التي شدني كل ما جاء بها من قصص السندباد وعلاء الدين وهو يخرق قواعد الكون ليسافر بنا إلى أرجاء شتى ببساطه السحري الجميل، لكن والدي جذبني بقوة وقال: (جدك ايريد ايشوفك).

صرت مرغماً على الذهاب معه، عبرنا صوب الجسر الحديدي ونحن نشق الماء مروراً إلى قلب الريف متجاوزين كل المناطق الخضراء، لأول مرة أتنفس هواءً مغايراً، تجاوزنا كل أشجار الصفصاف، شاهدت أشياءَ أذهلتني، الأشواك تثمر خرنوباً بلون الورد، حتى العاقول يزهر زهرات صغيرات.

هناك بالقرب من نهر صغير يمنح الأرض الجنوبية الحياة توقفت سيارة أبي وترجل منها وقادني نحو أكواخ من الطين، كان جدي يتعكز على عكازه الخشبي بعينين زرقاوين مثل لون البحر وهو يرتدي يشماغه وعقال يزين رأسه مثل تاج فوق رأس ملك سومري، وكانت جدتي تسير خلفه وهي ترتدي ملابسها السوداء وتلفُ على جبهتها (عِصابَة) مثل سواد الليل، تلقفاني وشماني كلاهما، وكانت اللهفة تقتلني في معرفة أسرار الطين، شاهدتُ كل شيء، أبواباً خشبية عتيقة، كلبُ أسود، أبقار وأغنام، شاهدتُ حصاناً مجللاً بأبهى الحلل والزينة، غطاء من الصوف الملون على ظهره، وأجراس حديدية تؤطر عنقه، شاهدتُ أطفالاً بعمري وآخرين أكبر مني، شاهدتُ فتيات جميلات وعلمت أن هؤلاء هم أبناء عمومتي، ورحت أتجول بين أروقة الطين، ركضت خلف الفراشات، شعرتُ بالخوف وأنا أصعد بين أحضان ابن عمي وهو يركب الفرس المجلجلة بالجمال، ركضت الفرس بكل قوتها ثم قفزت نهراً صغيراً، كانت قفزتها بمثابة اعلان ثورتي ضده ليوقف هديرها وهي تشق الهواء في الفضاء الوسيع.

كان المساء يحل ضيفاً على هذا الكون، وقبل مغيب الشمس جمعتْ ابنة عمي الكبرى في تنورها الطيني أعواد الشوك الخشبية وراحت تشعلها لتعتلي النار لتضيء المكان ومن حولها، كانت تخرج من تنورها خبزاً طرياً شهياً بطعم الجنوب. في الغرف الطينية الهادئة لا شيء يزينها سوى فوانيس تنير عتمة المكان.

وكان جدي يقص على الجميع حكايا الرجال ويروي قصة الأرض وعشقه لترابها بينما راحت جدتي تملأ آنيتها الحديدية بلبن أبيض مثل الثلج تضعها أمامنا وكأنها كانت ترضعنا عشق سومر وتمنحنا تعاويذ آلهة المعابد، وحين نختلي نحن الصغار مع بعض يغتنم ابن عمي الأكبر ليروي حكايات الجدات التي كان يحتفظ بها وهو يمنحنا أساطير الجنوب ويقص علينا قصة (السعلوه) التي استطاع فلاح ذكي من القضاء عليها وهي تحب تقليد الناس ليحرقها وتموت ويشعر الناس والأطفال بالاطمئنان، ثم يعرج على قصة (الطنطل) الذي ركب أبو جباره الاقطاعي الذي جاء ليلاً وهو يعبر تل (جوخا) المسكونة بالأروح والمحروسة من الآلهة، ليبقى أبو جباره يبحث عن الطريق إلى أهله حتى الصباح.

كنت أتغطى بشرشف قصير وأنام على (سابوط) يرتفع عن الأرض ليداعب الهواء العذب أنفاسي اللاهبة بجو المدن والغربة، في الريف قضيتُ أياماً لا توصف، كان شهر سبتمبر يكاد ينتهي لنعود مرة أخرى صوب الكويت وأنا أشحذ خيالي وفكري بكل هذا الكم الهائل من الصور الغريبة، نودع المدينة ونعود باتجاه البصرة لنأخذ من سلال تمرها ورطبها وأعود أنا حاملاً مجلاتي عائداً للكويت مرة أخرى.

وكنا لا نزور العراق إلا بعد أعوام كثيرة، كنت أكبرُ من خلالها وكان الشوق بي يأسرني صوب العراق، ما كنت أدرك أن هذه البقعة من الأرض تمنح ساكنيها الموت والخراب والدمار، قرر والدي العودة نهائياً إلى العراق، قراراً لا رجعة فيه..
ما عساني أذكر وحب الكويت يفارقني وأنا أودعها آخر مرة عام ١٩٨٧ كنتُ في معبر صفوان ألتفت للوراء علني أتنفس ما تبقى لي من هوائها الذي شممته أول مرة عام ١٩٧٤ في شهر أيلول..، قال والدي بأسى بعد أن تعبروا معبر صفوان سينتهي كل شيء، هيا التفتوا وتزودوا من أرض منحتكم الحب والمحبة والسلام.

شاهدت الانكسار بادياً على وجهه وهو يفارقها بعد أن كان جزءاً منها في عام ١٩٦٥ ينهش أرض مزارعها لتنبت زرعاً أخضرَ في الجهراء والمطلاع .. غادرنا جميعاً وبقت الذكرى الأولى تعشعش في قلوبنا، أبي بعد مرور أقل من سنة لم يستسغ حكم البعث ونظام صدام المستبد فقرر الرحيل بعد أقل من سنة عن هذه الحياة وبقينا نحن الصغار نصارع مرارة الفقد والأيام من دونه.. لم نكن ندرك أن حنان الأم يتسع للكون كله وهي تلفنا بين أضلاعها ونحن نمر بأعوام العوز والحرمان في حرب أحرقت الأخضر واليابس في سنواتها الثمان، وبعدها أعوام القحط في التسعينيات من زمن القهر والخوف، كان زمناً رمادياً مخيفاً بمعنى الكلمة، كنت احتفظ ببعض الكتب التي حصلت عليها بمرور سنوات عمري ومحطاتي التي مررت بها وما فقدته من كتب ومجلات كان أكبر في مجتمع كان يفكر في كيف يعيش فقط.

كانت الكتب مصدر قلق للجميع، حتى كانت تؤدي بصاحبها إلى التهلكة في زمن النظام وكانت أمي تنصحني على الدوام بأن اتخلص مما أكتبه أو احتفظ به من كتب لئلا تفجع بي.

اضطررتُ للهرب لمساحة أكبر من هذا البلد، مساحة تتسع لحجم جنوني حتى استقريت في العاصمة بغداد.

انفرجت أسارير الوطن بسقوط صنمه، وصار متسع كبير للحرف.. أمي بعد عام ونصف لحقت بأبي، كان رحيلها صدمة كبرى تجتاح روحي، كان حزني على موتها هي الضوء الأخضر للدخول إلى عالم الإبداع والحرف.. لا أدري أين كانت تختبئ أمي في (بوصلة القيامة) خلف شخصية سعاد أم بشرى أم الحاجة بدرية، لشخص ربما فيه شيء مما يشبهني، رجل تشبث بالحياة بقوة مقاتل، رجل يملك ثلاث أمهات ورابعتهم الجدة، حقق هذا الجرح فوزاً في جائزة الشارقة للإبداع الروائي العربي عام 2014، لأردفه بعد ذلك بباب الخلاص، الباب الذي أردت لكل العراقيين أن يمروا منه ليعيشوا مثل الجميع بسلام ومحبة وأمان وأنا أبحث لهم عن باب خلفي للجنة.

ها أنا في كل مرة أنبش في ذاكرتي السوداء مثل عامل منجم يستخرج الفحم الأسود من باطن الأرض، كي أدون كل أوجاعي وجنوني على الورقة البيضاء.

هيثم الشويلي

روائي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *