حدد الصفحة

طبيب التخدير .. غياب الوعي حياةٌ اخرى

طبيب التخدير .. غياب الوعي حياةٌ اخرى

أيادٍ لطالما عَمِلت تحت الاضواء فكان لها بريقٌ مختلف أيادٍ لو لاها لكانت الاوجاع المبرّحة بداية الطريق الى موت محتوم وقد شاءت الاقدار ان تعمل تلك الايادي في حجرات مُخبّأة خلف ابواب مغلقة ،كل حجرة ملآى بالاضواء الساطعة ،الاسلاك الكهربائية ،والاجهزة المهيبة التي تبث الرعب في قلب من لم يطلع عليها وكأنها خلقت لتعمل بصمت وتكتم اسرار كل مايجري حولها فتسود الطمأنينة ويعمّ التفاؤل بعد مايبدأ اصحاب تلك الايادي بزرع براعم الامل في نفوس عليلة اوشكت على اليأس من الشفاء والجواب على كل سؤال حائر يغور في محاجر تلألأ فيها الخوف وسط بحيرة من الدموع حتى يحين مسك الختام فتغادر الاسقام بعيدا وتطيبُ الجراح فيخرج وجه الحياة باسما من زنزانة الموت بمعونة اللطف الالهي وتلك الايادي النبيلة .

وعن هذا الموضوع حدثت لنا طبيبة التخدير والعناية المركزه ندى الشيرازي قائله هناك من يجهلون عمل طبيب التخدير في المجال الطبي وثمة من يحاولون إخفاء الحقائق التي تتعلق بضرورة وجود طبيب التخدير داخل بل وحتى خارج نطاق العمل في صالة العمليات بغية التقليل من شأنه ولأسباب شتى ..إن عمل طبيب التخدير يبدأ برؤية المريض الذي يدخل المشفى بقرار من الطبيب الجراح او الطبيبة النسائية لإجراء عملية جراحية سواء كانت طارئة لانقاذ حياته او غير طارئة .

ثم يقوم المختصون بإجراء التحاليل المرضية اللازمة وبعض الفحوصات الطبية الضرورية ..يجب على طبيب التخدير زيارة المريض الراقد في المشفى بعد إجراء اللازم اولا ً للاطلاع على السجل الخاص بالمريض والتأكد من وجود التحاليل والفحوصات اللازمة التي يقرر من خلالها مااذا كانت حالة المريض الصحية تسمح باجراء العملية الجراحية او يكون هناك عارض قد يعرض حياة المريض للخطر الناتج عن التخدير العام مثل اكتشاف وجود ارتفاع في ضغط الدم او علامات داء السكري او فقر الدم بأنواعه وغير ذلك مما يتوحب تأجيل موعد العملية المقرر لحين علاج المريض من الداء المكتشف حديثا..كما يكون الهدف الثاني من الزيارة هو الحديث الهادئ من قبل الطبيب المخدر مع المريض وذويه حول مخاطر العملية الجراحية باسلوب علمي مبسط محاولا زرع الطمأنينة والتخفيف من القلق المصاحب لاجراء العمل الجراحي وقد يعطى المريض بعض المهدئات قبل يوم واحد من موعد العملية على اقل تقدير..وفي حالة الانتهاء مما يلزم لاجراء العملية الجراحية ،

يدخل المريض صالة العمليات في الموعد المحدد ومن قبل الجهات المعنية ،يقوم طبيب التخدير والمساعد الخاص به باستقبال المريض بعد ان يستلقي على السرير الخاص بالعمل الجراحي ،وبعد التأكد من معلومات سجل المريض ،يقوم الطبيب او المساعد الخاص به بوضع ( قُنَيّة الإرواء ) والمسماة كانيولا ( cannula) وهي سر تعامل طبيب التخدير مع المريض قبل واثناء وبعد العملية الجراحية ،فيقوم بدفع الادوية الخاصة بالتخدير وبالجرع التي يقررها حسب العمر ،الوزن ،المدة المقررة للعمل الجراحي كما يعطى من خلالها المغذيات اي السوائل الضرورية لتعويض مايفقده المريض بسبب العمل الجراحي او اعطاء الدم ان استوجب الامر ذلك .

يدخل المريض بعد ذلك في حالة اللاوعي فاقدا بذلك كل الحواس وكل شعور بالألم ،فيعطي طبيب التخدير الاشارة الخضراء للسماح ببدء العمل الجراحي من قبل الفريق المختص بقيادة الطبيب الجراح ..اثناء العمل الجراحي ،يكون الطبيب المخدر العين التي ترى كل مايجري ،مراقبا بذلك الفعاليات الحيوية للمريض والتي تقاس من خلال اجهزة معينة مثل عدد نبضات القلب في الدقيقة، معدل ضغط الدم كل مدة زمنية معينة ،عملية التنفس وغير ذلك لتلافي اي خلل يؤثر سلبا على حياة المريض واستقرار حالته الصحية ..بعد الانتهاء من العمل الجراحي يبدأ طبيب التخدير مرحلة افاقة المريض من التخدير العام والتي تحدث بشكل تدريجي بعد ايقاف اعطاء الدواء الذي يجعل المريض فاقدا للوعي وقابلية الجسم البشري في تكسير الادوية في الكبد وطرح فضلاتها من خلال الجهاز البولي .

من الممكن حدوث بعض المضاعفات في مرحلة افاقة المريض مثل التقيؤ ، صعوبة التنفس ،ارتفاع او هبوط مفاجئ في ضغط الدم وغيرها كثير وهنا يجب ان يكون الطبيب المخدر قريباً جدا مع سرعة البديهة في علاج واحيانا منع حدوث تلك المصاعفات كونه المسؤول الوحيد..الإفاقة الكاملة للمريض تكون بإستعادة المريض لوعيه من خلال سؤاله مثلا عن اسمه او عمره او عنوانه فيكون الجواب مطابقا للحقيقة او ان يطلب من المريض بتحريك جزء معين من جسده فيستجيب ايجابا وهناك ارقام قياسية معينة للتأكد من عودة الوعي الكامل ودقة العمل الدماغي الصحيح والتي من خلالها يعتبر المريض قد استفاق من التخدير ويجب ان يغادر صالة العمليات الى الغرفة الخاصة به وهناك يتلقى العلاجات المدونة في سجله ويراقب بشكل دقيق حتى يحين خروجه من المشفى معافى باذن الله وبقرار الطبيب الذي ادى العمل الجراحي..وبعد كل تلك الاحداث المتتالية ،نجد ان طبيب التخدير يشرف على حياة المريض المعطى تخديرا عاما بشكل مباشر ليراقب وبدقة شديدة المشاكل التي يتعرض لها المريض بسبب دواء مخدر او مضاعفات العمل الجراحي فيكون اليد التي تعمل جاهدة من اجل ديمومة الحياة السليمة اثناء وبعد العمل الجراحي..ثمة جانب طبي مهم جدا يحتّم ضرورة وجود طبيب التخدير في كل العالم وهو غرفة العناية المركزة التي تضم حالات مرضية خطيرة تحتاج علاجات خاصة ومراقبة دقيقة جدا حتى إشعار اخر ..كل ماذكر اعلاه كان بمثابة بطاقة تعريفية للطبيب المجهول الهوية (طبيب التخدير ) لدى الكثيرين ..

ومن جانبها تحدثت لنا اختصاصية النسائية والتوليد الدكتورة فيّ سعود السياب قائله الخدرُ يبدءُ حين يضعُ انبوبة الاوكسجين مبتسماً ويطلبُ مني أن احسب الى العشرة، لكني لا اصل حتى الثلاثة وارحل.. ويظلُّ هو مشدوداً الى عربات واجهزة مراقبة الحياة، لتبقى تلك الروح العجيبة معلقة في مكان ما بالقرب..وبعد ان تنتهي الاوجاع ويتخلص الجسد مما يؤذي تلك الروح .. يعيدها الى جسدها، بعكس ما عمله في اول العملية.. طبيب التخدير والعناية الفائقة ، الطبيب الجندي المجهول الذي يدير العمليات في غرف مغلقة يتوتر للحفاظ على مريضه حياً ويعيده الى عائلته ومحبيه دون ان ينتظرهُ احدٌّ في باب العمليات ليشكره، او يتذكره احد بعد انتهاء المعركة..

ذلك الطبيب الذي لو اختفى لصارت الاوجاع اكبر واكثر، لتفاقمت الامراض دون رادع.هذا الملاك الذي لابد من الاهتمام به ورعاية قدراته العلمية والعملية و توفير ما يطور من ادائه واجب مهم من واجبات الدولة لتقديم رعاية افضل وعمليات اكثر اماناً. 

فكما ان الجراح مقاتل في معركة المرض فأن طبيب التخدير هو ربان سفينة القتال.. مستشفياتنا تعاني نقصاً في العدد والخبرة، تحتاج منا وقفةً واعية جادة في اعداد جيل جديد قوي من اطباء وطبيبات التخدير واثقي الخطوة و المعلومة قادرين على انتزاع شوكة الالم واعادة الحياة وهي على محك الفقدان.. تلك هي العناية الفائقة التي اختص فيها طبيب التخدير دون غيره، فدوره لم يكن مقتصراً على غرفة العمليات بل اتسع ليشمل الانعاش الحياتي و اعادة الروح بامر خالقها الى جسدها والاعتناء بهما بعد التحامهما مرة اخرى..هذا الدور العظيم ما زال خفياً عن الكثييرين..فتحيةً لطبيب التخدير الذي يضع كل حرصه و وقته في سبيل اعادة من نحب الينا سالمين مبتسمين..

وايضا تتحدث لنا  عن هذا الموضوع الاستاذة بكلية الطب البشري ورئيسة شعبة التخدير بمشفى تشرين الجامعي في سوريا لما عدره قائله 

التخدير العام هوة الاجراء الذي يدخل المريض بحالة من اللاوعي قابلة للتراجع (تشبه النوم تماما) وحالة من الارخاء العضلي وتسكين الالم تسمح باجراء العمل الجراحي له بأي مكان في الجسم ولفترة زمنية مناسبة. 

يتم الوصول الى هذه الحالة باعطاء المنومات (الوريدية او الإنشاقية) والمسكنات المورفينية القوية جدا والمرخيات العضلية ويجب دعم جرعة هذه الادوية خلال فترة استمرارية العمل الجراحي حتى لا يعود وعي المريض بشكل مفاجئ او يشعر بألم يحرض حدوث تغييرات في ضغط ونبض القلب قد تودي بحياة المريض. إن لهذه الادوية تأثيرات على عمل كل اجهزة الجسم ( الجهاز القلبي والتنفسي والعصبي الودي ونظير الودي) مما ينجم عنه احتمال حدوث اختلاطات وتأثيرات جانبية غير مرغوب بها في حال لم تكن المراقبة دقيقة للمريض. وهنا يأتي دور طبيب التخدير هذا الجندي المجهول الذي يقف وراء الستار (يقضي ساعات طويلة من الملل تتخللها لحظات الرعب القاتل) يراقب عمل التنفس ونبضات القلب والنزف ويكون جاهزا في أي لحظة للاجراءات المنقذة للحياة. وتزداد الصعوبة في هذه المراقبات في حال كان لدى المريض سوابق مرضية خاصة قلبية او تنفسية او غدية او عصبية فيكون الجهاز الودي لطبيب التخدير في كامل استنفاره خلال مرحلة مباشرة التخدير واستمراريته وحتى لحظة انتهائه وانعاش المريض وكم تكون رائعة هذه اللحظة التي يفتح فيها المريض عينيه ويحاول التكلم والحركة ولا يشكو من ألم وعلاماته الحياتية مستقرة.

ولهذا يحتاج طبيب التخدير أن يكون ملما بكافة العلوم والاختصاصات الأخرى مثل الطب الباطني والأطفال والتوليد وعلم الأدوية والفيزيولوجية.إن التطورات التي طرأت على تقنيات التخدير العام والناحي سمح بإجراء العمل الجراحي ولو كان المريض ذو خطورة مرضية خاصة وهذه التقنيات جعلت من اختصاصنا ممتعا ومتطورا فأصبحت الحصارات العصبية تجرى تحت الرؤية المباشرة عن طريق الإيكو واصبح تسكين الألم يعطى من خلال الحصارات العصبية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *