حدد الصفحة

ظاهرة التدخين لدى الفتيات في تونس

ظاهرة التدخين لدى الفتيات في تونس
|

جلست يومها في مقهى الجر نال بقابس لشرب قهوة وإجتماع عمل هناك ،جلب إنتباهي كثرة الفتيات المدخنات ،يسحبنّ السيجارة تلوى السيجارة.

 

وكانت من بينهم فتاة في مقتبل العمر زهرة يافعة (16 سنة )صحبة ثلة من زملائها في المعهد على طاولة تنوعت فيها المشروبات الغازية وفناجين القهوة وعلب السجائر والولاعات, تلتقط البنية سيجارة لتشعلها في حركة رشيقة وتنفث من شفاهها الصغيرة سحبا من الدخان الكثيف تزيد في ضبابية المكان. لكن ذات المشهد يتكرر بشكل يومي في اغلب المقاهي المحاذية للمدارس الثانوية. يترافق مع الإدمان على شبكات التواصل الإجتماعي بمختلف انواعها.

يؤكد بشير صاحب مقهى “السور” داخل المدينة العتيقة ان

 

30 بالمائة ممن يدخنون الشيشة في ليالي رمضان فتيات يرتدن المقهى بمفردهن بعد ان كن يأتين مع افراد عائلاتهن .

بشير

صاحب مقهى, السور

ويلفت بشير الى ان

غالبيتهن لا يتجاوزن العشرين من العمر ، ولا يجدن احراجا البتة في طلب الشيش، وكأنهن يطلبن كوبا من الماء .

بشير

صاحب مقهى, السور

وحتى وقت قريب لم يكن مسموحا للفتاة في العائلات التونسية المحافظ التدخين .

 

أما أحلام تلميذة وجدناها في أحد المقاهي تتوسط حلقة من تلامذة المعهد وبيدها النرجيلة “الشيشة” ارتبكت في البداية حين رأتني أقترب منها لأتوجه لها بالسؤال لكنها أخذت بسرعة نفسا عميقا من النرجيلية لتمضي في الحديث قائلة ”

لست مدمنة على تدخين “الشيشة” لكني أحس بمتعة كبيرة في تناولها مع الأصدقاء مع العلم أن زملائي الذكور لا يدخنون بتاتا وملوا من تكرار النصيحة لي بالتوقف عن عادة التدخين لكني لا استطيع ذلك .

أحلام

تلميذة

محمد علي صاحب كشك قريب من احد المعاهد الثانوية بالعاصمة أكد لنا أن إقبال الفتيات على شراء علب السجائر تضاعف من سنة لأخرى وأصبح بشكل علني دون حياء أو خجل فالفتيات حسب قوله صرن أكثر إقبالا على السجائر من الفتية.

 

يقول علي صاحب مقهى “المشموش” منذ اكثر من عشرين عاما ان

ما كان اكثر المشاهد اثارة وغرابة لوقت قريب اصبح الان مسموحا به .

علي

صاحب مقهى, المشموش

اما بشأن الفتيات اللواتي كن يدخن خلسة بسبب نظرة المجتمع السلبية للمراة المدخنة فيقول

طيلة عملي في هذه المهنة لم ار مثل هذا الاقبال من طرف الفتيات على الشيشة .

علي

صاحب مقهى, المشموش

وأضاف

بعد ان كانت الشيشة حكرا على الرجال اخذت الفتيات يحتللن مكانا في المقهى رويدا وبعد ان كن يخترن الجلوس في زاوية منعزلة بتن الان في الواجهة ولا يجدن حرجا في مجالسة ومشاركة المدخنين .

علي

صاحب مقهى, المشموش

ظاهرة تدخين المراهقات من فتيات المدارس والمعاهد في تونس أضحت واقعا ملموسا وان لاتوجد أرقام دقيقة حول نسبة تدخين مراهقات المدارس غير أن نتائج دراسة أجريت في المعاهد التونسية بينت أن

 

 

%

من المدخنات لاتتجاوز أعمارهن ال16 سنة

%

من 20 سنة فما فوق

كما أشارت بعض الدراسات المنجزة سنة 2007 إلى أن نسبة المدخنين فى أوساط المراهقين تبلغ

%

وهي مرشحة للارتفاع مع التقدم في السن.
من جانبه يحذر الدكتور المنذر جعفر الأخصائي النفساني من خطورة ارتياد هذه الفئة من فتيات المدارس للمقاهي التي أضحت تروج لتدخين الأرجيلة والسجائر بشكل جماعي بدلا من اعتبارها فرصة لتوطيد العلاقات الاجتماعية ولم شمل الأصدقاء على طاولة واحدة. والأخطر من ذلك (حسب رأيه)أن سلوك التدخين أضحى بين المراهقات شكلا من أشكال التفاخر والتباهي ومجارات بعضهن البعض ” لاسيما عند الإناث فالسيجارة والشيشة والقهوة أضحت من المواد الأساسية التي يكثر عليها الطلب وتزين بها طاولاتهن ” .

 

كما يشير في ذات السياق أن الإقلاع عن التدخين بكل أنواعه لايرتبط بظرف ما بقدر ارتباطه بعزيمة واستعداد المدخن نفسه. دكتور جعفر أرجع هذا الارتفاع المطرد في نسبة المدخنين إلى تراجع مكانة الأب والأم والمربي وغياب دور العائلة كرقيب ومرشد الأبناء بسبب مشاغل العمل فضلا عن تعويض المحاضن المدرسية والفضاءات التجارية والمقاهي حضن العائلة. من جهتها قامت وزارة الصحة العمومية ببعث عيادات مختصة تشجع على الإقلاع عن التدخين متكونة من أطباء مختصين في الأمراض الصدرية وأطباء الخطوط الأمامية قصد الإحاطة بالمدخنين نفسيا وصحيا.كما تم في هذا الإطار تخصيص بوابة الكترونية ضمن موقع المرصد الوطني للشباب(هيكل حكومي يعنى بمشاغل الشباب) يبرز فيه مخاطر التدخين ومضاعفته وكيفية الإقلاع عنه كما يتضمن الموقع عناوين عيادات المساعدة على الإقلاع عن التدخين.
ضاعفت الدولة التونسية من إجراءاتها وذلك بردع المخالفين تأديبيا ومعاقبتهم تشريعيا وتحجير التدخين في الفضاءات العمومية وذلك باتخاذ اجراءات صارمة وخطايا مالية للمدخنين في الأماكن العامة بعد إقرار رئيس الدولة أن تكون سنة 2009 سنة مكافحة ظاهرة التدخين كما تم تفعيل وتنقيح قانون 1998 الخاص بمنع التدخين بالأماكن العامة. بهدف تدعيم نجاعة القانون الحالي وذلك بتحجير كل أشكال الدعاية والإشهار للتبغ ومنتجاته ومزيد إبراز الآثار السلبية للتدخين على علب السجائر ومنع كل العبارات التي تعطي انطباعا خاطئا عن التدخين إلى جانب إدراج فضاءات جديدة في قائمة الفضاءات العمومية التي يمنع بها التدخين ومراجعة استخلاص الخطايا المترتبة عن مخالفة أحكام قانون تحجير التدخين.

 
ومقارنة بالمرحلة التي سبقت الثورة فإن الأرقام المتعلقة بالتدخين في ارتفاع مطّرد وذلك بسبب جملة من العوامل لعلّ أهمّها غياب الحملات التوعوية في علاقة بمخاطر التدخين، حيث كانت هناك أكثر من ثلاثين جمعية ومنظمة ناشطة في هذا المجال قبل الثورة ولأسباب مالية بحتة اضمحلّ هذا النسيج الجمعياتي واندثرت أغلب المنظمات في غياب الدعم المادي الذي كانت تتلقّاه من الدولة ولانهيار المنظومة الصحية وتدنّي الخدمات في المستشفيات والمصحّات المختصة.
وبحسب أرقام المنظمة العالمية للصحة فإن تونس تتصدّر الدول العربية في عدد المدخنين بمعدل استهلاك يومي بلغ 17 سيجارة لكل واحد من المدخنين البالغ عددهم حوالي 3.5 ملايين مدخن منهم 10٪ من النساء.
وفي غياب إحصائيات واضحة في علاقة بكلفة الإدمان على التدخين في تونس ما بعد الثورة فإن الأرقام التي أوردتها وسائل إعلام محلية شهر أكتوبر 2010 تعدّ أكثر من مفزعة لما تمثله من عبء على ميزانية الدولة حيث أن كلفة علاج الأمراض الثقيلة كالسرطان والفدّة والذبحة والجلطة وضغط الدم وانسداد الشرايين والعجز الجنسي بلغ 119 مليارا في حين بلغت فاتورة الأدوية 167 مليارا والعمليات الجراحية المرتبطة بأمراض التدخين 45 مليارا.

 
وكانت المنظمة العالمية للصحة قد نبّهت في دراسة لها نشرت في سنة 2013 بأن تونس تشهد نسقا غير مسبوق في استهلاك التدخين بلغ 75٪ قياسا بنسب 2010 ولنا أن نتخيّل تطور بقية  الأرقام المرتبطة بكلفة العلاج، أما الرقم المفزع هو ذلك المتعلق بتطور عدد المصابين بمرض السرطان حيث تتوقع المنظمة العالمية للصحة أن ترتفع النسبة الى 73٪ قياسا بنسب سنة 2009.
وكان عالم النفس التونسي عماد الرقيق قد فسّر ارتفاع أعداد المدخنين في تونس بعد الثورة بالانتكاسة النفسية التي أصابت جميع شرائح المجتمع التونسي بسبب انهيار كافة المنظومات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية.
ويعتقد الأستاذ عماد الرقيق أن الملاذ الوحيد لكي ينسى التونسي همومه ومشاكله هو الادمان بجميع أنواعه اي الكحول والتدخين والمخدرات.

 
يقبل عدد كبير من التونسيين على التدخين من مختلف الشرائح العمرية ومن الجنسين مسببا لهم في أمراض مختلفة ادت إلى وفات الكثرين منهم. ورغم الحذيرت التي تكررها وزارة الصحة والمختصين والمنظمات المعنية فإن الإ قبال على تعاطي السجائر يتزايد.

 

وتكشف الأرقام الرسمية بشاعة مخلّفات التدخين على صحة المدخن سواء كان رجلا أو إمرأة، ومهما إختلفت الشريحة العمرية، وهو ما يستوجب توعية هؤلاء لإنقاض حياتهم من جهة، وتحذير غير المدخنين من جهة أخرى عملا بمبدأ الوقاية خير من العلاج.

j

أحلام رحومة

صحافية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *