قاصرون من مختلف الأعمار حملتهم موجة الهجرة الاستثنائية نحو سبتة

 مواجهات بين مهاجرين والشرطة المغربية في الفنيدق في شمال المغرب قرب جيب سبتة الإسباني في 19 أيار/مايو 2021 .(ا ف ب)

مواجهات بين مهاجرين والشرطة المغربية في الفنيدق في شمال المغرب قرب جيب سبتة الإسباني في 19 أيار/مايو 2021 .(ا ف ب)

فضل اليافع المغربي محمد التخلف عن امتحان نهاية الموسم الدراسي الأربعاء في مدرسة للتكوين المهني بالرباط، ليحاول العبور نحو جيب سبتة الإسباني في شمال المغرب على غرار الكثير من القاصرين الذين تدفقوا على المدينة منذ الاثنين.

كان لافتا وجود أعداد كبيرة من القاصرين من ضمن ثمانية آلاف مهاجر وصلوا سبتة مستفيدين من تخفيف مراقبة الحدود من الجانب المغربي، بينهم أطفال ورضع مع أمهاتهم في مشاهد خلفت استياء وذهولا على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب.

وأظهرت صور أمهات وآباء مع رضع يحاولون العبور سباحة. وانتشرت على نطاق واسع عالميا صورة نشرها الحرس المدني الاسباني على تويتر لأحد عناصره وهو ينقذ رضيعا كاد يغرق رفقة والده في محاولته العبور.

وكتب موقع كود الإخباري المغربي معلقا "الجنين يسبح في بطن أمه مهاجرا إلى سبتة (...) إنه الخيال في أقصى حالاته، إنها أوديسة مغربية".

وصل محمد (17 عاما) إلى الفنيدق صباح الأربعاء بعدما قطع مسافة الثلاثين كيلومترا الأخيرة من الرحلة سيرا، شأنه في ذلك شأن من المرشحين للهجرة الذين قدموا من مدن مختلفة.

مع أنه واثق من النجاح في الامتحان الذي كان مفروضا أن يخضع له الأربعاء، ما سيؤهله للحصول على دبلوم قد يساعده في إيجاد عمل، إلا أنه يفضل "الهجرة إلى أوروبا فلا مستقبل لي هنا أريد أن أعمل كي أساعد عائلتي"، على ما يقول متكئا على حائط عمارة في محيط المعبر الحدودي. وكان برفقة مهاجرين مغاربة وجنوب صحراويين يأملون أن "تتساهل" معهم قوات الأمن المغربية.

وحاول مرشحون للهجرة من أعمار مختلفة الأربعاء العبور سباحة تحت جنح الضباب الذي غطى أجواء المدينة بعد الظهر، لكن البحرية الملكية أرجعتهم. في المقابل فضل آخرون الاستجمام على شاطئ المدينة تحت شمس حارة صباحا.

وتراجعت أعدادهم بشكل ملحوظ الأربعاء.

"غير مسبوق"

والعدد الكبير للمرشحين للهجرة القاصرين الذين توافدوا على الفنيدق "غير مسبوق"، على ما يؤكد الناشط الحقوقي المتخصص في قضايا الهجرة عمر ناجي.

منذ الثلاثاء تجمعت أمهات وآباء لساعات طويلة أحيانا عند حاجز للشرطة في مدخل الطريق المؤدي للمعبر الحدودي، بانتظار أخبار عن اولادهم.

وكان الخمسيني عبد الحق الذي جاء من مدينة تطوان المجاورة متوترا من شدة القلق على مصير ابنته البالغة 15 عاما التي انقطعت أخبارها منذ غادرت البيت قبل يومين، "أخبرتني إحدى الفتيات أنها رأتها في سبتة من دون أن أعرف أي شيء عن مصيرها".

أما وفاء الأم لثلاثة أبناء، فوصلت فجر الأربعاء من طنجة بحثا عن ابنها البالغ من العمر 15 عاما الذي غادر من دون علمها.

وتقول الأرملة الأربعينية متأثرة بعدما عثرت عليه "أخبرني أصدقاؤه أنه هنا. بقدر ما تمنيت أن يعبر بقدر ما سعدت للقاِئه مجددا".

غالبا ما يكون المرشحون للهجرة القصر منقطعين عن الدراسة من أسر فقيرة يمارسون أحيانا مهنا هامشية. ويجمعهم الحلم بحياة أفضل في أوروبا حيث يطمحون للعبور من سبتة إلى شبه القارة الإيبرية.

هذه حال عبد الله (16 عاما) الذي غادر المدرسة في سن الرابعة عشرة ليعمل ميكانيكيا "ويساعد" والده البائع المتجول في إعالة أخويه.

ويقول اليافع الذي جاء من طنجة في سيارة أجرة "تلح علي والدتي كي أعود لكنني مصر على الهجرة، القنابل المسيلة للدموع لا تخيفني"، رغم أن السلطات الاسبانية أرجعته الثلاثاء بعد حوالى ثلاث ساعات فقط في سبتة.

يعد الانقطاع عن الدراسة معضلة كبيرة في المغرب إذ طال أكثر من 300 ألف تلميذ العام الماضي، وفق أرقام رسمية.

وعموما يجد غالبية الشباب بين 15 و34 عاما أنفسهم على "هامش النمو الاقتصادي"، وفق تقرير رسمي العام 2018 نبه إلى أن 82 بالمئة منهم لا يمارسون أي نشاط.

"سأعود"

بعد ترحيله أمضى عبد الله الليلة في حديقة مجاورة لمدخل المعبر الحدودي، بينما تفرق مهاجرون آخرون في الأزقة المجاورة حيث مدهم بعض سكان المدينة بالماء والطعام.

ورُحّل 4800 شخص الأربعاء من المهاجرين الذين نجحوا في العبور، بينهم 1500 قاصر على الأقل، وفق أرقام رسمية من الجانب الاسباني.

وشجب عمر ناجي "الزج بالقاصرين من طرف السلطات المغربية للضغط على اسبانيا من أجل مصالح سياسية"، منددا أيضا "بترحيلهم من قبل السلطات الاسبانية في انتهاك للاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي وقع عليها كلا البلدين".

وأشار إلى أن السلطات الاسبانية "لم تكن ترحل القاصرين في أوقات سابقة".

وفي حين يؤكد عبد الله نيته البقاء في الفنيدق وتكرار المحاولة بعدما "تدبر ما يكفي من النقود للبقاء أياما أخرى"، يفضل رفيقه حسن (17 عاما) العودة إلى طنجة بعد اقتناء علب سردين وقناني مياه استعدادا للرجوع سيرا على الأقدام.

ويقول متحسرا "أحلم أن أعيش في أوروبا، لكنني لن أجازف الآن لأرحّل مباشرة"، مستدركا "لكنني سأعود لا بد أن أنجح يوما".

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة ممكنة. لمزيد من المعلومات طالع سياسة الخصوصية

موافق