بين اللوحات الجدارية والذكريات صرب البوسنة ما زالوا يعتبرون ملاديتش "بطلا بريئا"

 جدارية تصور القائد العسكري السابق لصرب البوسنة راتكو ملاديتش في بلدة كالينوفيك في 22 أيار/مايو 2021. afp

جدارية تصور القائد العسكري السابق لصرب البوسنة راتكو ملاديتش في بلدة كالينوفيك في 22 أيار/مايو 2021. afp

تنتشر لوحات جدارية لمجرم الحرب راتكو ملاديتش وهو يحدق بنظرة المنتصرعلى جدران شوارع بلدته بجوار كتابات تصفه بـ"البطل" كما يعتبر العديد من صرب البوسنة حتى اليوم قائدهم العسكري السابق.

وارتكب ملاديتش، الذي يستمع لقرار محكمة دولية في استئنافه النهائي الثلاثاء، أعمالا وحشية خلال حرب البوسنة (1992-1995) ضد المدنيين والعسكريين على حد سواء.

وملاديتش (78 عاماً) استأنف الحكم الذي أصدرته بحقّه في 2017 محكمة الجزاء الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة ومقرها لاهاي وقضت بسجنه مدى الحياة بعدما أدانته خصوصاً بمجزرة سريبرينيتسا التي راح ضحيتها في 1995 أكثر من ثمانية آلاف مسلم بين رجل وفتى بأيدي قوات صرب البوسنة، وهي الحادثة الوحيدة في الحرب التي صنفت كإبادة.

لكنّ رادوساف زموكيتش قائد مجموعة محلية لقدامي المحاربين، يعتقد أنّ الحكم سيكون بعيد عن الحقيقة. وقال زموكيتش إنّ "كل شخص فخور بأنه يتحدر من هنا"، مشيرا إلى أنه التقى ملاديتش مرتين أو ثلاث خلال الحرب وأعجب ب"جرأته".

وصرح لوكالة فرانس برس من مكتبه الصغير المعتم في قاعة البلدية أنّ "كافة الأطراف ارتكبوا جرائم. لكنّ جنديا مثله لم يكن قادر على إصدار أمر بقتل الناس خصوصا غير المدنيين".

وبالنسبة للناجين المسلمين، يشكّل الإنكار المتواصل لفظائع فترة الحرب والمتمثلة في تمجيد رجال ملاديتش كأبطال، العائق الرئيسي في مسيرة المصالحة في بلد لا يزال تمزقه النزاعات الاتنية.

المحاكم "أهانت" الصرب

يبدو أنّ إنكار المسؤولية الجنائية لأحداث فترة الحرب تزايد خلال السنويات الأخيرة، بموازاة تمجيد شخصيات مثل ملاديتش والقائد السياسي رادوفان كاراديتش.

وكان ميلوراد دوديتش، الزعيم التاريخي لجمهورية صرب البوسنة وافق على تقييم القضاة الدوليين أن مجزرة سريبرينيتسا، أسوأ مذبحة شهدتها القارة العجوز منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ترقى إلى إبادة.

كان ذلك في 2007، لكنه غيّر موقفه بشكل كبير.

وأبلغ دوديتش الإعلام المحلي بعد إدانة ملاديتش في 2017 أنّ "موقف محكمة لاهاي تجاه الضحايا الصرب مهين وغير عادل"، مشيرا إلى أنّ سبعين بالمئة ممن خضعوا لمحاكمات كانوا من الصرب.

وتمادى دوديتش في إشادته بملاديتش بعد إدانته، قائلا إنّ "مكانته كبطل" التي "احتفظ بها سنوات طويلة" لا يمكن أن تتلاشى بحكم محكمة.

ويشارك كثيرون في مجتمع صرب البوسنة هذا الموقف.

وزعم ليوبو توموفيتش وهو صربي من قدامى المحاربين في فوكا البلدة التي شهدت قتلا جماعيا للمسلمين على أيدي الصرب خلال الحرب أنّ "ملاديتش والمجموعة التي كان يقودها ابرياء".

وفي فوكا أيضا، مّجد السكان ملاديتش بلوحة جدارية، كتب بالقرب منها هذه المرة "شكرا لوالدتك".

وأفاد توموفيتش فرانس برس أنّ ملاديتش "لم يقم سوى بالدفاع عن شعبه"، وتابع "إدانته ستكون عارا وخطيئة".

حملة الأمهات

وخلّفت حرب البوسنة بين الكروات والمسلمين والصرب حوالي مئة ألف قتيل نحو ثلثيهم من المسلمين و2,2 مليون مهجّر، حسب استنتاجات لجنة تحقيق مستقلة.

وأسفرت الحرب الدامية عن تقسيم البلد إلى كيانين أحدهما كرواتي-بوسني والثاني صربي.

وقاد مسلمو البوسنة حملات لصدار قانون لتجريم إنكار الإبادة وجرائم الحرب.

لكنّ النواب الصرب في البرلمان المركزي منعوا كافة محاولات تمرير القانون.

وقالت الماسة صالحوفيتش التي قتل شقيقها عبد الله في مجزرة سريبرينيتسا "لا افهم لماذا لا يزال من المقبول إنكار ووصف رجل مثله بالبريء بل حتى أسوأ وصفه كبطل".

وصالحوفيتش متحدثة باسم النصب التذكاري لسريبرينيتسا الذي يضم مقبرة خارج البلدة بها رفات أكثر من 6600 ضحية جرى التعرف عليها.

ومن ضمن الضحايا فيجزو وحميد ابن وزوج فضيلة افينديتش.

وقالت افينديتش التي ترأس أحدى المجموعات التي تمثل أمهات الضحايا "كل من ينكر الإبادة هو أيضا مجرم حرب". وأوضحت أن لا شيء بوسعه إعادة الضحايا، لكن الاقرار بالإبادة سيضع البلاد على الأقل على المسار الصحيح.

وأضافت "فوق كل شيء، سيشكل ذلك ارتياحا للأمهات وإشارة على تحقيق العدالة".

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة ممكنة. لمزيد من المعلومات طالع سياسة الخصوصية

موافق