عند سد معزول الأفغان يدفعون الدم ثمنا للكهرباء

 لقطة من الجو لسد كاجاكي في ولاية هلمند الأفغانية في 21 آذار/مارس 2021.(ا ف ب)

لقطة من الجو لسد كاجاكي في ولاية هلمند الأفغانية في 21 آذار/مارس 2021.(ا ف ب)

يقع سد كجكي الكهرمائي الضائع في عمق ولاية هلمند محاطا بأراض تسيطر عليها حركة طالبان ولا يمكن الوصول إليه إلا بالمروحية. ومع ذلك وبعد سنوات من الجهود لزيادة قدرته كانت كلفتها البشرية كبيرة، ما زال في طريقه لأن يصبح الأهم في أفغانستان.

يقع هذا السد بين المنحدرات الصخرية المطلة على نهر هلمند الذي يستخدم للري على طول أكثر من ألف كيلومتر في جنوب أفغانستان. وقد واجه العديد من المشاكل منذ إنشائه في خمسينات القرن الماضي، تزامنت مع المسار المضطرب للبلاد.

يقع السد الذي يؤمن الكهرباء للمدينتين الرئيسيتين في الجنوب لشكركاه وقندهار في قلب جيب صغير تسيطر عليه الحكومة وتبلغ مساحته ستة كيلومترات مربعة. وحوله دائرة تمتد لعشرات الكيلومترات بين أيدي طالبان.

نتيجة لتسوية كان لا بد منها على الأرجح، تسمح كابول لطالبان بالحصول على جزء من التيار الكهربائي مجانا. وتفرض الحركة التي طردت من السلطة في نهاية 2001 وتأمل في العودة إليها مع رحيل القوات الأجنبية بحلول 11 أيلول/سبتمبر المقبل، رسوما على السكان المدنيين الذين يستهلكون الكهرباء.

وبعد هذا الموعد، يمكن تطبيق تسويات من هذا النوع في أماكن أخرى في غياب اتفاق بين الحكومة الأفغانية وقيادة طالبان.

ولا يمنع الاتفاق الضمني الذي تستفيد منه طالبان خصوصا مقاتليها من مهاجمة القوات التي تؤمن الحماية لسد كجكي. وقد دفعت القوات الحكومية والمدنيون العالقون بين الطرفين ثمنا باهظا لبقاء السد.

وقال عبد الرزاق لوكالة فرانس برس إن "هذه الكهرباء تكلف الكثير من الارواح".

وعبد الرزاق هو حاكم منطقة كجكي لكن سلطته لا تتجاوز مكتبه وبضعة مبان تحيط بالسد. ويقول عبد الرزاق والعاملون معه إن حوالى 15 ميغاواط تذهب إلى مناطق طالبان في كجكي وسانجين وموسى قلعة وهي من بين أخطر القطاعات في أفغانستان.

وأكد الحاكم أن طالبان "تحصد 300 مليون أفغاني (3,1 ملايين يورو) شهرا" من الرسوم التي تفرضها على الكهرباء.

ويبرر غلام رضا المدير التنفيذي لشركة "كونستراكشن 77" التركية هذا الوضع بالقول "لم نختر ذلك لكن كيف نرفض منحهم الكهرباء؟ هناك مدنيون وهذا حقهم".

وتستعد "كونستراكشن 77" لزيادة طاقة السد من حوالى خمسين إلى 150 ميغاواط بإضافة ثلاثة توربينات.


حركة طالبان سعيدة

قال محمد أكبر الذي تولى شؤون الري في عهد طالبان في تسعينات القرن الماضي "تلقيت ورقة من طالبان وبطاقة هوية حكومية".

ويقطع محمد داود وهو ميكانيكي هذا الطريق كل أسبوع. وقال آسفا "في الماضي كان الأمر يستغرق عشر دقائق، ولكن بسبب انعدام الأمن بات أربع ساعات". واضاف "أشعر بخوف كبير (...) العام الماضي قتل زميل لي وجرح أربعة".

وسردار محمد أيضا مضطر لعبور الجبهة لإصلاح الخطوط التي تضررت من القتال. وهو يبلغ المعسكرين مسبقا لكن هذا الإجراء الوقائي لا يكفي دائما. وقد خسر زميلا قتلته القوات الأفغانية. ويقول مشيرا إلى تلة "أطلقوا النار من هذا الموقع المتقدم".

في قريته، يدفع سردار لحركة طالبان خمسة دولارات (4.2 يورو) شهريا مقابل الكهرباء لتشغيل مكيف الهواء أو ري حقوله. وفي أراضي المتمردين يحصل السكان الأكثر فقرا على الكمية نفسها من الكهرباء لكن مجانا.

وقال عادل بادلون وهو مسؤول لوجستي إن "عناصر طالبان سعداء جدا. إنهم يحبون (شركة كونستراكشن) 77 والمشاريع لأنها تفيد كل الناس".

مع ذلك،لا تمنح طالبان الجيش الأفغاني وقوة الحماية العامة الأفغانية فرصة لالتقاط الأنفاس. فغالبا ما تتم الرحلة من السد إلى المواقع المتقدمة سيرا على الأقدام. وحذر قائد الجيش في كجكي دوست نزار أندارابي من أنه "إذا ابتعدت عشرة أمتار عن الطريق يطلقون النار".

ومن مركز مراقبة على المرتفعات، يراقب الجنود بمناظير أراضي طالبان الشاسعة حيث يتابعونهم وهم يركبون دراجات نارية ويرون أطفالا يلعبون كرة القدم ومزارعين يعملون في حقولهم.

وقال الجندي محمد سليم ناصري إن مقاتلي "طالبان يتنكرون ويختبئون بين المدنيين لمحاولة المجيء إلى هنا". ويبدو المكان هادئًا، لكن بعد حلول الظلام تبدأ طالبان إطلاق النار على موقع مجاور.

قرية اشباح

أي شخص يغامر بالدخول إلى منطقة مكشوفة بالقرب من الجبهة يمكن أن يصاب بالرصاص. وفي موقع آخر، يشير عبد الرزاق القائد في قوة الحماية العامة إلى مكان "قتل قناصة" فيه صهره قبل شهرين.

هذه الحركة تتردد في كجكي. يشيرون بالإصبع إلى مكان قتل فيه زميل أو قريب وربما طفل.

وبين السد وخط الجبهة، يمتد سوق تانج الكبير الذي دمر في المعارك. ووسط أنقاض مخازن مبنية بالطين يسود صمت مطبق. ولا دليل على وجود حياة سوى مجموعة من الأطفال هنا وعدد قليل من الماعز هناك. وتعيش نحو ثلاثين عائلة في قرية الأشباح هذه.

و ما زالت أربعة أو خمسة متاجر فقط مفتوحة بينها مخبز يمد الجيش بحاجته. ويصل الطحين بمروحية مثل الأقلام والشامبو ومشروبات الطاقة. لكن المنتجات الأساسية وخصوصا الزيت والأرز، غير متوافرة.

وقال كمال ضابط الشرطة السابق الذي جرح في القتال "في بعض الأحيان لا يكون لدينا طعام ليومين أو ثلاثة أيام". واضاف الرجل المسن الذي توفي حفيد له "عندما يمرض طفل يموت لأنه ليس لدينا دواء أو طبيب".

ونقلت زوجته المريضة في عربة تجر إلى مناطق طالبان لتلقي العلاج في لشكركاه. من جهة أخرى، ليس لدى الرجال أي فرصة للنجاة عند عبور خط الجبهة. وفقد نافيد أرمهاد (12 عاما) والده الذي قتل بالرصاص.

وقال كمال "مات هنا بسبب مشاكل متعلقة بالنقل".

وردا على سؤال لماذا لم يفروا من هذا الجحيم، قال الخباز آغا لالا "ما زلنا نأمل في أن يتحسن الوضع (...) لكنه يسوء".

ففي كجكي يتقدم العمل في السد، لكن الدم ما زال يهدر والكهرباء وحدها فقط هي التي تنقل بأمان.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة ممكنة. لمزيد من المعلومات طالع سياسة الخصوصية

موافق