معالجة الجرح غير المرئي لجنود فرنسيين مصابين بصدمات أثناء القتال

صورة مؤرخة في 30 تموز/يوليو 2021 لجنود فرنسيين في قاعدة تورا سوروبي في أفغانستان(ا ف ب/ارشيف / الكسندر كلين)

صورة مؤرخة في 30 تموز/يوليو 2021 لجنود فرنسيين في قاعدة تورا سوروبي في أفغانستان(ا ف ب/ارشيف / الكسندر كلين)

كاد كريستوف أن يلقى حتفه في أفغانستان وعانى رفاييل موجة من العنف الدامي في منطقة الساحل بعد مشاهدته أكياس الجثث بالعشرات، ولم يعد عمر يريد التحدث عن تجاربه في ساحة القتال. فترسّخ الألم على مر السنوات.

يعاني عمر (35 عاما) وهو جندي سابق في البحرية الفرنسي اضطراب ما بعد الصدمة منذ عقد. وخلاله، انفصل عن شريكته ودخل المستشفى بشكل متكرر وحصل على علاجات قوية. يقول عمر الذي ولد في المكسيك وصل إلى فرنسا مراهقا "كل ذلك يكفي لأن تطلق النار على نفسك".

وتخلّلت عملية إعادة تأهيله الطويلة دورات رياضية مخصصة للجرحى. لكن "يحصل انهيار نفسي كبير عندما يتوقف ذلك".

ولا يزال هذا العنصر السابق في القوات الخاصة متكتما بشأن الأسباب التي كانت وراء ألمه. لكنه يستحضر فترة مضنية في غيانا في العام 2012، حيث انخرط في سلسلة من أعمال "العنف الحي". لكنه لا يقول شيئا عن الفترة التي أمضاها في أفغانستان.

بالنسبة إلى يوسف (44 عاما) العميل السابق في مديرية الاستخبارات العسكرية، تسببت الصدمة الناتجة عن الكثير من العمليات الدقيقة والحساسة في ظهور "العنف والخوف" لديه. ويوضح "إذا تكلّم أحدهم بشكل سيّئ معك، يفور غضبك ... تنمو فيك قوة شريرة، وتتخلى عنك أسرتك والناس لا يفهمون تماما".

ويروي يوسف وهو ابن جندي حركي "ذات يوم، بعد عودتي من مهمة، كنت أعاني صداعا نصفيا قويا. أرسلتني ممرضة إلى المستشفى العسكري. كانت شرايين صغيرة في عينّي تتمزّق، وأخبروني بأن ذلك يحصل بسبب الإجهاد. أرسلوني إلى طبيب نفسي، لم أفهم لماذا. فكنت أعتبر أنه مخصص للمجانين".

بلغ عدد الجنود الفرنسيين الذين يعانون إصابات نفسية بين العامَين 2010 و2019، نحو 2800، أي خمس مرات عدد المصابين جسديا. في صففو سلاح البر وحده، يعاني 70 في المئة من بين ألف جريح في إجازة مرضية طويلة الأمد، متلازمة اضطراب ما بعد الصدمة.

بالنسبة إلى عمر ويوسف اللذين قدّما شهادة نادرة لوكالة فرانس برس إن المسار الطويل للرعاية الطبية وإعادة التأهيل من خلال الرياضة والجلسات مع الطبيب النفسي، لم يؤثرا كثيرا.

وبحثا عن بلسمة أفضل لهذه الجروح غير المرئية، تختبر الجيوش الفرنسية حاليا أسلوبا جديدا طبق بنجاح في كندا وإسرائيل والولايات المتحدة: المبدأ هو تقديم مواكبة "نفسية-اجتماعية" للمصابين من أجل إعادة تعليمهم، خطوة بخطوة، إدارة حياتهم اليومية ووضع خطط للمستقبل.

يقول الجنرال باتريس كيفيلي مدير المشروع "كان هناك حلقة مفقودة" بعد الخروج من المستشفى.

العودة إلى الحياة

في جنوب فرنسا، يستقبل مبنى "ميزون آتوس" (دار آثوس)، قرابة 15 جنديا سابقا تضرروا بشدة بسبب رؤيتهم الموت عن قرب.

على جدار في غرفة الجلوس، جدول الأسبوع: النشاطات الرياضية والوجبات المشتركة والرسم والحرف اليدوية وورشة إعادة توجيه مهني.

يقول لوك دو كوليني الذي كان جنديا سابقا في القوات البحرية ويدير "ميزون آتوس" في تولون (جنوب) "يخفف الجرحى من روع بعضهم البعض". وهناك نموذج مماثل في محيط بوردو (جنوب غرب).

هنا، لا مراييل بيضاء أو أزياء موحدة، فقط مدرّب رياضي وممرضة وطبيبة نفسية عسكرية سابقة لمتابعة المصابين، وجميعهم متطوعون لهذه المبادرة.

استلهمت الجيوش الفرنسية من "كلوبهاوس"، وهي دور غير طبية أنشئت العام 1948 في الولايات المتحدة من أجل توفير نشاطات للأشخاص الذين يعانون مشكلات نفسية (اكتئاب، فصام...) بهدف كسر عزلتهم وجعلهم يتأقلمون مع الحياة اليومية.

ويوضح الطبيب كزافييه ديرويل المستشار الصحي لرئيس أركان القوات البرية "إن ذلك يستجيب لحاجة أكدها أطباؤنا النفسيون. نحن نطمح لأمور أخرى غير العمل العلاجي للجرحى" الذين يجب أن "يتعلموا التعامل مع الحياة اليومية فيما يميلون إلى الانغلاق على أنفسهم".

لدى وصولهم، يوقّع الجنود "خريطة طريق" تجمع "مشروع الحياة" و"استئناف النشاط". وهم يملكون الحرية في المجيء عندما يرغبون، ليوم واحد أو أكثر.

في هذا المكان، تعافى عمر. يقول "نحن محاطون برفاق خاضوا التجربة نفسها، نحن نفهم بعضنا البعض. لقد اجتزت المرحلة المؤلمة من التجربة التي عشتها". منذ وصوله، انكب الجندي السابق على ممارسة الرياضة وفقد وزنا وعادت الابتسامة إلى وجهه. وهو يستعد حاليا لطي الصفحة العسكرية إلى الأبد مع انخراطه في دورة تخصصية في التكييف.

ويعرب يوسف عن "توقه إلى الشفاء". هو يفكر في التحول إلى "المساحات الخضراء" ويضيف "لم أستطع العمل في مكتب واستخدام الكمبيوتر".

قنبلة موقوتة

تقف وراء هذا الألم المتجذّر الذي يسبب نوبات قلق وغضبا ويقظة وأرقا واكتئابا واضطرابات جسدية ونفسية، مواجهة طاحنة مع الموت تنتج خللا في الدماغ وتسبب تلفا يمنع قشرته ولوزته من التواصل، كما يوضح الكولونيل أنطوان بروليه قائد وحدة إعانة الجرحى.

ويروي جندي من القوات الخاصة لوكالة فرانس برس شرط عدم كشف اسمه "ذات صباح، ذهبت في مهمة لمكافحة الإرهاب وكنت جائعا. شممت رائحة لحم مشوي ما جعل لعابي يسيل: هنا، أدركت أن تلك الرائحة ناتجة عن جثة تحرق. كنت أعاني قصورا في الدماغ. لسنوات، حملت معي تلك الذكرى الحسية" الصادمة.

في معظم الأحيان، تستغرق معالجة الانهيار النفسي أسابيع أو حتى أشهرا. ويؤكد الكولونيل بروليه "بعد سلسلة من المعالجات، تتباعد شباك مضرب التنس وتتفكك بمرور الوقت وتنتهي بالتحطم".

وهذا ما حصل مع كريستوف (35 عاما)، وهو عنصر سابق في فوج المشاة البحرية الثالث. في العام 2009، أصيبت عربته المدرعة بانفجار قنبلة محلية الصنع في تاغاب في أفغانستان. قتل ثلاثة من رفاقه. أما هو فقد خرج منها محروقا من الرقبة حتى الفخذين.

لكن الألم غير المرئي كان مدفونا. وقد ظهر اضطراب ما بعد الصدمة لديه بعد أربع سنوات عقب انتحار أحد الجنود الذين شاركوا إلى جانبه في القتال في أفغانستان... مشاجرة في ملهى ليلي وأخرى أثناء مباراة كرة قدم، ثم نوبات غضب وصراخ على أفراد الأسرة. ويشرح قائلا "من الصعب ألا يفهمك أحباؤك. ونتيجة لذلك، نعزل أنفسنا".

وتجربة كريستوف مماثلة لتجربة الكولونيل رافاييل برنار الذي لم يخرج من مالي سالما، بعد العديد من الأحداث المؤلمة المتتالية خلال مسيرته المهنية التي شملت عمليات من لبنان إلى يوغوسلافيا السابقة وساحل العاج.

في العام 2015، شن جهاديون هجوما على معسكر تابع للأمم المتحدة في كيدال حيث كان مقره. متمركزا على السطح وجاهزا لإطلاق النار، أصيب ب"أجزاء من دماغ جهادي انتحاري كان يقود سيارة". هذه الرغبة الكبيرة في القتل لدى العدو تسببت له بالصدمة لكنها لم تحطمه. ويقول "اعتقدت أن الأمر سيكون على ما يرام. كنت قلقا من أن يتم إقصائي عن المشاركة في العمليات الميدانية".

بالعودة إلى مالي بعد عامين، من أعلى برج مراقبة، يرى الكولونيل المشهد مجددا أمام عينيه. ويقول "أصبحت شاحبا، وارتفعت حرارة جسدي فجريت للتقيؤ في الحمام"... وجّهت آخر مهمة له في هذا البلد الضربة القاضية. في نهاية العام 2019، رأى برنار أكياس جثث لعشرات الجنود الماليين على مدرج قاعدة غاو، ثم جثث 13 جنديا فرنسيا قتلوا في حادث تصادم مروحيات.

يقول "إنه تحطم عاصف: بصري وشمّي ونفسي. لم أعد أستطيع النوم. كانت تتربص بي الكوابيس. انغلقت على نفسي، في نوع من التخدير العاطفي".

مرض قديم

الاضطراب العصبي الناجم عن الحرب مرض قديم، لكن معالجته احتاجت إلى وقت طويل لتبدأ.

مع الحرب العظمى (1914-1918)، واجهت الجيوش الحديثة للمرة الاولى مشكلة "الخسائر النفسية": جنود سالمون جسديا لكنهم غير قادرين على القتال، ما ترك العلماء في حيرة.

واعتبرت هذه "الإصابات الغريبة" لفترة طويلة جُبنا. في العام 1943، صفع الجنرال الأميركي جورج باتون جنديين من دون إصابة واضحة، وأدخلا المستشفى بسبب "الإرهاق في القتال".

وجذبت هذه الاضطرابات انتباه الأطباء النفسيين الذين يعالجون جنودا عائدين من الحرب الهندية الصينية والجزائر وفيتنام. لكن لم تؤخذ هذه الظاهرة في الاعتبار في الجيوش الغربية حتى نهاية القرن العشرين وتوالي الصراعات الطويلة والوحشية.

وبحسب وزارة شؤون المحاربين القدامى الأميركية، يعاني ما يصل إلى 20 في المئة من الجنود المنتشرين في العراق وأفغانستان من متلازمة اضطراب ما بعد الصدمة.

في الجيوش الفرنسية، تم الاعتراف رسميا بالإصابة النفسية العام 1992. لكن أفغانستان شكّلت نقطة تحول فعلية. بعد فترة طويلة من عمليات حفظ السلام، أعادت القوات اكتشاف عنف القتال والصدمات المرتبطة به.

في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ الجيش الفرنسي تطوير المراقبة النفسية من بدء المهمة في الصراع الأفغاني إلى العودة منها.

من المحرمات

لكن رغم أنّ جهودا بذلت لكشف الإصابات النفسية ومعالجتها، ما زال يتعين على ضحايا اضطراب ما بعد الصدمة التغلب على عقبة إدارية للحصول على حقوقهم: التأمين معقد غير واضح، وبدلات تعويض غير منصفة... وجبل من الصعوبات.

ويقول جيروم، وهو أيضا جندي سابق في القوات الخاصة "عندما لا يتم الاعتراف بهذه الحقوق، فإن صدمة جديدة تضاف إلى الصدمات الأخرى"، واصفا "جرحى غارقين في المعاملات الإدارية، عاجزين عن الدفاع عن حقوقهم" عند رحيلهم من الجيش.

وما زال اضطراب ما بعد الصدمة من المحرمات الراسخة في مجتمع يقدّر "الرجال الأقوياء" والذين يشعر المصابون فيه بأذى نفساني بأنهم مستبعدون، لدرجة إظهار الاستياء بشكل متكرر تجاه المؤسسة. فقط 5 إلى 10 في المئة منهم بقوا في القوات المسلحة.

ويقول فريد، وهو قائد مروحية عسكرية سابق "أنت تستثمر بشكل مكثف في حياتك المهنية ثم فجأة، لا يبقى لك أي شيء". وهي مهنة "يرافقها الكثير من المآسي". وفاة أربعة رفاق في حادث تحطم في جبال البيرينيه (جنوب غرب فرنسا) هي من بين هذه المآسي. لم يحلّق الخمسيني منذ العام 2016.

ويوضح "هدفي اليوم هو إعادة بناء نفسي، من أجل عائلتي، التي كانت على وشك الانهيار".

ويختم لوك دي كوليني "في 9 من كل 10 حالات، تتشتت العائلات".

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة ممكنة. لمزيد من المعلومات طالع سياسة الخصوصية

موافق