ذكرى الشاحنات العسكرية التي نقلت نعوش ضحايا كوفيد لا تزال عالقة في اذهان سكان مدينة بيرغامو الايطالية

شاحنات عسكرية تنقل نعوش ضحايا كوفيد-19 في بيرغامو الى مدن اخرى في 26 آذار/مارس 2020 (ا ف ب/AFP/ارشيف / ميغيل ميدينا)

شاحنات عسكرية تنقل نعوش ضحايا كوفيد-19 في بيرغامو الى مدن اخرى في 26 آذار/مارس 2020 (ا ف ب/AFP/ارشيف / ميغيل ميدينا)

في 18 آذار/مارس 2020 بثت قنوات في العالم الصور الصادمة لقافلة الشاحنات العسكرية التي نقلت نعوشا ليلا من بيرغامو إلى بلدات اخرى في شمال إيطاليا، وبعد سنة لا تزال هذه المدينة تبلسم جراحها من تفشي فيروس كورونا.

وفي ذروة تفشي الوباء كان الأب ماركو بيرغاميلي يبارك النعوش كل 10 دقائق. ويتذكر قائلا وهو يشرع أبواب كنيسة مقبرة مونومنتال "كانت النعوش مصطفة هنا وبلغ عددها 132 نعشا وصلت إلى المذبح".

ويضيف "في البداية كانت الشاحنات تأتي ليلا ولم يكن يفترض أن يعرف أحد أن النعوش تنقل إلى مكان آخر". وكانت الشاحنات تنقل حتى سبعين نعشا يوميًا من الكنيسة إلى مناطق أخرى لأن غرف الجنازة كانت ممتلئة.

ولم يعد في إمكان محرقة الجثث في المقبرة اللحاق بوتيرة الكارثة البشرية التي سببها الفيروس. وارسلت النعوش إلى بولونيا ومودينا وفيرارا لاحراقها.

ووضع رئيس الوزراء ماريو دراغي الذي جاء إلى بيرغامو لتكريم 103 آلاف من ضحايا الوباء في إيطاليا، إكليلًا من الزهور الخميس عند مدخل كنيسة المقبرة، قبل الوقوف دقيقة صمت. وقال دراغي "هذا المكان رمز معاناة أمة بأسرها".

كل شخص تقريبا في بيرغامو فقد فردا من الاسرة أو صديقا أو زميلا أو جارا.

وفي المقبرة أضرحة فخمة من الرخام جنبا إلى جنب مع مدافن حفرت على عجل معظمها دون شاهد قبر تحمل ألواح مع أسماء وصور المتوفين : انها "مقبرة كوفيد" المخصصة لضحايا الفيروس.

في آذار/مارس وحده توفي 670 ألف شخص في بيرغامو التي تعد 120 ألف نسمة ونحو ستة آلاف في المنطقة التي تحمل الاسم نفسه المعروفة ب"ووهان إيطاليا" أي أكثر بخمس إلى ست مرات من المعتاد وفقا للمعهد الوطني للاحصاء.

ويقول الأب بيرغاميلي (66 عاما) بتأثر شديد "كان الأشخاص يرون أقاربهم ينقلون بسيارة اسعاف لإصابتهم بالحمى وثم كانوا يتلقونه رمادا داخل جرة دون حتى أن يتمكنوا من وداعهم".

"كنا كما في أوقات الحرب"

يضيف الأب الكابوشي الذي لا يعتبر نفسه بطلا رغم أنه دفن الكثير من الضحايا "كنا كما في أوقات الحرب". ويؤكد أن "الأبطال هم الأطباء والممرضون".

في مستشفى سيرياتي قرب بيرغامو، امتلأت وحدة العناية المركزة مجددا في وشغلت أسرتها الثمانية بمرضى كوفيد حتى وان لم يكن الاقبال كبيرا كما في ذروة الوباء قبل عام.

وتصدر أصوات تنبيه مستمرة من أجهزة مراقبة القلب وأجهزة التنفس الصناعي في الغرفة.

ويقول المسؤول عن الوحدة روبرتو كيم (59 عاما) بقلق "وباء كوفيد أكثر شراسة الآن مع الكثير من حالات المتحور البريطاني. وبات المرضى أصغر سنا من ذي قبل".

ويندد كثيون ببطء السلطات في الاعتراف بخطورة الأزمة واتخاذ القيود اللازمة كحظر التجمعات.

وتروي روبرتا كابريني المسؤولة عن مكتب جنازات "جنرالي"، "مطلع آذار/مارس رأينا أشخاصا يحضرون جنازة ضحايا كوفيد ويتوفون بعد أسابيع بدورهم".

في الخط الأول

وجدت الشابة البالغة من العمر 38 عاما نفسها في الخط الأول من المؤسسة العائلية بعد اصابة كل من والدها وشقيقه بالفيروس.

وقالت "عادة ننظم 1400 جنازة سنويا لكن في آذار/مارس 2020 نظمنا ألف جنازة أي عمل سنة بكاملها خلال شهر واحد".

وللسماح للأقارب المعزولين بإلقاء النظرة الأخيرة على أحبائهم، كانت تمر تحت شرفاتهم مع النعش وتلتقط صوراً للجثث.

والحداد كان مهمة مستحيلة للعديد من سكان بيرغامو.

ويقول لوكا فوسكو رئيس جمعية "نوي دينونشيريمو" (سنستنكر)، "أمضينا شهرًا من دون أن نعرف مكان جثة والدي الذي توفي بسبب كوفيد في 11 آذار/مارس عن عمر يناهز 85 عامًا في دار لرعاية المسنين".

بعد ثلاثة أسابيع، أسس ابنه ستيفانو هذه المجموعة للدفاع عن ضحايا كوفيد على فيسبوك، وفي اليوم التالي كان عددهم أربعة آلاف والآن باتوا 70 ألفا.

بعد ذلك، تم تقديم 250 طلبا لإبلاغ الوقائع إلى السلطات دون تقديم شكوى إلى مكتب المدعي العام في بيرغامو "لإنصاف جميع الذين توفوا بكوفيد". وتم فتح تحقيق.

وبعد ظهور أولى الإصابات بفيروس كورونا في 23 شباط/فبراير 2020 في ألزانو ونيمبرو في وادي سيريانا المجاور لبيرغامو، أجلت السلطات 15 يومًا عملية عزل منطقة لومبارديا، ما سرع "تفشي الوباء ليس فقط في إيطاليا ولكن في جميع أنحاء أوروبا" بحسب فوسكو.

وأضاف "لم يرغب أحد في اتخاذ إجراء لا يحظى بشعبية عندما تمثل لومبارديا 22% من إجمالي الناتج المحلي لإيطاليا".

بالنسبة لهذا المحاسب البالغ من العمر 59 عامًا "شعر سكان بيرغامو أنه تم التخلي عنهم. من خلال التحرك السريع كان بإمكان السلطات إنقاذ الآلاف من الأرواح".

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة ممكنة. لمزيد من المعلومات طالع سياسة الخصوصية

موافق