fullscreen

ظاهرة إنتحار الأطفال في تونس :

احلام رحومة
remove_red_eye 60
comment 0

ظاهرة إنتحار الأطفال في تونس :

أزمة الثقة وغياب الحوار داخل الاسرة والنقص فى الاحاطة والتربية بسبب تردى الاوضاع الاجتماعية والفقر والتفكك الاسرى وضعف البنية التحتية والمرافق الاجتماعية والتربوية والغياب شبه الكلى بالاحاطة النفسية بالتلاميذ فى المبيتات والموسسات التعليمية بالاضافة الى استقالة العائلة عن دورها فى المتابعة والمراقبة وتراجع دور الموسسات التربوية وافتقار البرامج البيداغوجية لمناهج للتربية على المواطنة وحقوق الانسان والابداع والعنف المسلط على الاطفال والادمان والظروف الاجتماعية القاسية كلها من الاسباب التى دفعت بالعديد من الاطفال فى عمر الزهور الى محاولة أو وضع حد لحياتهم.

يرجع المختصون في علم الاجتماع تزايد حالات الانتحار بصفة عامة ما بعد الثورة لارتباطها بضعف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المناطق المهمشة نتيجة الفقر والبطالة وانتشار نسب الأمية وفشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق وعودها الانتخابية.

وقد أكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية خلال رصده حالات ومحاولات الانتحار في شهر فيفري/ شباط لسنة 2018 أن حالات الانتحار لدى فئة الأطفال هي الأكثر مأساوية وقد شملت 12 حالة انتحار أو محاولة انتحار دون سن الخامسة عشر. وهي أرقام تعكس حالة اليأس والاضطراب النفسي التي يعيشها الأطفال اليوم الذين أمست تتلقفهم يد الموت وهم في كنف طفولتهم.

قد تختلف الأسباب باختلاف المناطق والانتماءات الجهوية والبيئات التي يعيشون فيها. فاختلاف البيئة النفسية والاجتماعية التي ينمو فيها الطفل اليوم والانغلاق الفكري قد لا يسمح لهم بالتعرف الى الحياة ومباهجها جراء الشعور بالتهميش والظلم والقهر ما يولد داخلهم العنف الاجتماعي. 

هي حالات متكررة تزايدت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة فتحولت إلى ظاهرة مجتمعية أسهمت عوامل عديدة في تضخمها واتساع رقعتها لتصبح مسؤولية اجتماعية تتداخل فيها عدة أطراف وتتقاسمها الدولة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية. فكثيرًا ما يعترينا شعور بالأمل عند معرفة المرجعيات القانونية المحلية والاتفاقيات الدولية التي تكفل للطفل حقوقه وتتولى حمايته من جميع أشكال الإهمال والتهميش من خلال المناداة بضرورة تشبعه بالمبادئ الحقوقية والكرامة الإنسانية التي تضمن له حياة كريمة. لكن هيهات.. شتان ما بين التنظير والواقع. فبمجرد أن يعتلي أحدهم صهوات السلطة تتغير الأفكار والمبادئ ليبقى الضيم والتهميش قدر الفقراء المساكين والتخمة والرفاه قدر الأثرياء المتزهدين. وذلك في ظل تواصل سياسة المماطلة والإقصاء

كما أن الدور الفعلي للدولة بمختلف مؤسساتها التي تعنى بحماية قطاع الطفولة يتمثل في سن القوانين والتشريعات وتكريسها بصورة فعلية على أرض الواقع حتى تكون إطارًا حاضنًا للطفل عبر السعي إلى البحث عن حلول توعوية وتوفير الإحاطة النفسية والاجتماعية اللازمة حتى لا يجد نفسه ضحية مشاكل اجتماعية صعبة جراء العنف الاجتماعي المسلط عليه والذي قد يكون نتاج تراكمات نفسية واجتماعية وفكرية. إضافة إلى ضرورة معالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تعاني منها بعض المناطق في تونس والتي قد تؤثر سلبًا على حياة بعض الأطفال ما لم تلتفت الدولة إليهم.

بيد أن هذه الحالات المتكررة قد لا تتبعها بالضرورة خلفيات اقتصادية بل قد تحيلنا إلى عمق الأزمة التي تشهدها مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي يشدد عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو على أهميتها ذلك أن الطفل يستمد أصول شخصيته ومقوماتها من مختلف نظم التنشئة الاجتماعية. هذه الأطر التي تمثلها الأسرة باعتبارها النواة الأولى التي يستقي منها طبائعه ومبادئه لأنها هي التي توفر له المساندة الوجدانية والدعم الاجتماعي وتكرس لديه سياسة الانتماء ليكون قادرًا على مقاومة الضغوط وتحملها. وحين تغلق أبواب الحوار والتواصل الأسري حتمًا ستزداد المشكلات وتتعمق الخلافات. مما يستوجب حماية الأطفال وتحصينهم وتوسيع مداركهم ومعارفهم بمتغيرات الحياة وتقلباتها.

هذا دون أن ننسى الدور البنائي للمدرسة التي تمثل إطارًا حاضنًا لآمال الأطفال وطموحاتهم خاصة في هذه الفترة العمرية فهي تساعده على تكوين شخصيته عبر ترسيخ القيم والمبادئ النبيلة وتزويده بالمعارف والمهارات الأساسية اللازمة نظرًا إلى دورها في بلورة شخصية الطفل نفسيًا ومعرفيًا. ناهيك عن دور المجتمع وهو المحيط الذي قد تنصهر فيه شخصية الطفل مع مختلف عاداته وتأثيراته السلبية التي قد تنعكس على شخصيته نظرًا إلى غياب التفاعل النقدي في مثل هذا المستوى العمري.

كما قد يتحمل الإعلام جزءًا من المسؤولية نتيجة عدم الالتزام بالضوابط المهنية وعدم احترام أخلاقيات المهنة الصحفية التي تشمل عدم نشر الصور الصادمة للضحايا لأنها قد تساهم في نشر 'ثقافة الانتحار" خاصة لدى فئة الأطفال باعتبار الدور التأثيري الذي قد يمثله الإعلام في مستوى تحديد ممارسات الأفراد والهيمنة على سلوك الاطفال. لذلك من المهم أن تساهم وسائل الإعلام في نشر ثقافة الحياة لديهم. من المهم أن يأخذ هذا الموضوع حيزًا هامًا من النقاشات التي تستوجب التحليل المعمق ودراسة الأسباب لتجاوز مثل هذه الحالات.

نبّهت الجمعية التونسية للاولياء والتلاميذ من تنامي ظاهرة الانتحار لدى الاطفال، محملة المسؤولية الى الدولة التي لم تع، حسب تعبيرها، بالوضعية المتدنية التي وصلت اليها المنظومة التربوية من كل النواحي.

ولقد حملت الجمعية، في بيان اصدرته، على اثر إقدام تلميذ على الانتحار شنقا في شجرة بساحة المدرسة الابتدائية "الزفزاف" بمعتمدية السوق الجديد من ولاية سيدي بوزيد، المسؤولية لكلّ السّاهرين على القطاع الذين قالت انهم "أثبتوا عدم درايتهم بأنّ المدرسة التونسية بأدائها الحالي تضرب عرض الحائط أمال أبنائنا وبناتنا في مستقبل أفضل وتستبيح حقوقهم في الكرامة، وأصبحت بالتالي تتسبب في تنامي العنف ببلادنا بمختلف مظاهره وتهدد وحدة المجتمع واستقراره".

وتهيب الجمعية برئيس الحكومة المكلف وكل السياسين وكل مكونات المجتمع المدني وخاصة الأولياء بضرورة الإدراك بأن معركة إصلاح المدرسة هي اليوم أمّ المعارك وهي حجر الأساس لكلّ مشاريع الإصلاحات الأخرى.

ويذكر ان تلميذا في سن التاسعة من عمره قد اقدم على الانتحار، يوم الأربعاء الماضي شنقا في شجرة بساحة المدرسة الابتدائية "الزفزاف" بمعتمدية السوق الجديد من ولاية سيدي بوزيد.

وقد خلفت الحادثة حالة من الهلع والخوف والذّهول لدى إطارات المدرسة وتلاميذها.

وكان تقرير للمرصد الاجتماعي التونسي التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قد كشف عن تراجع حالات الانتحار ومحاولات الانتحار خلال سنة 2019 بنسبة 42,6بالمائة وذلك مقارنة بسنة 2018 وبلغ عدد حالات الانتحار ومحاولات الانتحار 268 حالة خلال سنة 2019 مقابل 467 حالة في سنة 2018، جلهم من الذكور ب 203 حالة ومن بينهم 43 حالة من الاطفال.

يبدو أن تراخي الدولة وضعف التفكير في كل هذه العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية والأسرية من شأنه أن يقوي من احتمالات زيادة حالات الانتحار لدى الاطفال. فما أحوجنا اليوم إلى "إرادة عامة عاقلة" تغوص في عمق الأسباب لتتخطى مرارة النتائج.

تقرير أحلام رحومة




comment

أكتب تعليق...